ابراهيم الوردي ل”ماذا جرى”
بدأت ملامح هذا السؤال تلوح عند نهاية العهدة الرئاسية الرابعة التي كان من المفترض أن تنهي حكم الرئيس بوتفليقة، ومعه تنتهي حقبة من التاريخ الجزائري ليفسح المجال لحقبة أخرى برجال جدد وتوجهات جديدة. لكن رياح “الربيع العربي”، ونية بوتفليقة الترشح لعهدة خامسة، رغما عن نصوص الدستور الجزائري، أجلت هذا السؤول الذي سيطفو من جديد على السطح رغم “فوز” الرئيس وانتزاع ولاية رئاسية خامسة، وكان الذي عجل عودة السؤال هو المرض الشديد للرئيس وغيابه عن الساحة لمدة طويلة رغم محاولة إعلام النظام إظهاره بالقادر على تسيير دفة الأمور.
وفعلا، بدت بعض التغييرات التي شهدتها مختلف الأجهزة الأمنية والمخابراتية والعسكرية، وكأن الرئيس بصدد إعادة تنظيم أسس نظامه الحاكم من خلال إزاحة بعض الوجوه القديمة التي عمرت طويلا في كراسيها، وكان آخرهم رئيس المخابرات الذي قضى 25 سنة في منصبه. بيد أن المراقبين السياسيين لم يروا في ذلك ما يحاول النظام الجزائري إقناع الناس به من الرئيس بتلك التغييرات إنما يريد تجديد المؤسسات وضخ دماء جديدة فيها، بل رأى هؤلاء المراقبون أن الرئيس، وإن صح التعبير من يمسك فعلا بزمام الحكم بدلا عنه، إنما أرادوا بذلك تحصين وضعياتهم وتصفية الحسابات مع منافسيهم، وأن الرئيس الضعيف والمريض إنما هو عبارة عن واجهة ووسيلة قانونية ودستورية لإضفاء المشروعية على تمركزاتهم الجديدة.
الآن، وبعد تمكن هؤلاء من تنفيذ مخططاتهم، هل يمكن الجزم أن النظام يتجه نحو الاستقرار وضمان التحكم والسيطرة في دواليب الحكم في الجارة الشرقية؟
تتجه بعض التحاليل إلى أن الأمر ليس كذلك فقط، بل يعتقدون أن السؤال الحقيقي هو: هل ستتمكن الدولة الجزائرية بامتداداتها ومكوناتها من البقاء؟ قد يبدو هذا السؤال مبالغا فيه، لكن التبريرات التي يقدمها هؤلاء تحتم التفكير مليا في هذا السؤال. ومن تبريراتهم ما يلي:
أولا: شساعة حدود البلد التي من الصعب جدا التحكم في كل نقطة منها، مما يفسح المجال لدخول أطراف يمكنها زعزعة الاستقرار في البلد، مما يعني تهديد النظام والدولة. وفي مقدمة هذه التهديدات: الجماعات الإسلامية المختلفة سواء العاملة داخل التراب الجزائري، أو تلك التي تنشط في ليبيا ودول جنوب الصحراء؛
ثانيا: عدم وجود مؤشرات إلى تقديم الدولة لتنازلات ولو مؤلمة في اتجاه انفتاح سياسي حقيقي على باقي كونات المشهد السياسي الجزائري، واستعمال كل الأساليب الممكنة لإخماد أية محاولة في هذا الاتجاه؛
ثالثا: وصول الغليان الشعبي إلى مستويات قياسية، عندما يقارنون بين مقدرات البلاد الهائلة ومستوى العيش المتدني للغالبية من الشعب عوض أن تعكس ثروات البلد مستوى من العيش الكريم، مقارنة بدول لديها نفس الإمكانيات وشعوبها تنعم بمستوى محترم من الحياة الكريمة على غرار دول الخليج العربي، من جهة والاستياء العارم من الشعب وتذمره من هيمنة طغمة من الوجوه على مقدرات البلاد؛
رابعا: وينضاف هذا العنصر إلى العنصر السابق، ذلك أن أثمان البترول وصلت في انخفاضها إلى مستوى غير مسبوق ولا تلوح في الأفق أية بوادر بانتعاشتها في المستقبل القريب. والمعروف أن عائدات بيع النفط تشكل 95 بالمائة من مصادر التمويل الجزائري. وقد لوحظ فعلا أن مشروع ميزانية الدولة الجزائرية للسنة القادمة موصومة بطابع التقشف المفرط، من خلال تجميد المشاريع الكبرى، والرفع من الضرائب الحالية ووضع ضرائب جديدة، إضافة إلى رفع الدعم عن عدد من المواد ذات الأولوية في المعاش اليومي للمواطن الجزائري العادي؛ وكل ذلك سيقوي من مناخ التذمر وسيرفع وتيرة الاحتجاجات الشعبية التي لايمكن لأي شخص التكهن بأبعادها ولا عواقبها.
ومن المعروف، أن السلطات الجزائرية، عادة ما تلجأ إلى سياسة العصا والجزرة في معالجة التوترات الاجتماعية: العصا باستخدام اليد الحديدية للجيش والقوات الأمنية لقمع الاحتجاجات، والجزرة بتقديم بعض المهدئات في شكل خدمات اجتماعية كتحمل فارق الأسعار، وتمكين بعض المواطنين من شقق بأثمنة مدروسة ومخفضة من خلال مشاريع السكن الاجتماعي، والتكفل بمصاريف التطبيب والتعليم. لكن من أين للدولة الجزائرية الآن بالتغطية المالية اللازمة لذلك، وهي تعرف ضائقة مالية لم يسبق لها مثيل، وهي الآن تفكر بجدية في الاستدانة من الخارج؛ وهو ما استطاعت أن تتفاداه منذ مدة.
لقد بقي إذن أمام السلطات هناك فقط استعمال العصا، لكن العصا لا تعالج الأمور دائما. ويكفي أن تنظر الجزائر إلى الدول المجاورة التي حاولت استعمال العصا نفسها، لكن هذه العصا احترقت بفعل نار تذمر شعوبها من الضغط والفقر.