نكتفي بإعادة السيرة التي سبق أن نشرها موقع ماذا جرى حول إلياس العماري قبل أن يصبح رئيسا لجهة طنجة الحسيمة.

يقول أصدقاؤه أن كنيته الأصلية مشددة الميم ومفتوحة العين” العَمّاري”،إنه الظاهرة السياسية التي يصعب فك رموزها، فالمتتبعون للمشهد السياسي يقرون بأن  لا أحد، من زعماء الأحزاب السياسية استطاع مواجهته والانتصار عليه بالرغم من أنه لا يملك منصبا أو صفة سلطوية او مخزنية او سياسية تعطيه شرعية المواجهة.

ولذلك فإن الزعيم السياسي الوحيد الذي كانت له الشجاعة لمواجهته بالخطاب وتبادل الشتائم –على الأقل-هو عبد الإله بنكيران ويضاف إليه نبيل بنعبد الله-لكن بشكل خجول-.أما باقي زعماء الأحزاب، يسارهم بيمينهم،فهم إما يهابونه أو يتفادون الدخول معه في اي سجال، عملا بالمثل القائل:كم حاجة قضيناها بتركها.

لقد سمته مجلة تيل كيل”بالأراجوز” وهو نعت له أبعاده ومغازيه، والمقصود به طبعا هو محرك الدمى في مسرح العرائس، ما لم نترج التسمية ب”المهرج”.

وإذا عرفنا أن محرك الدمى حسب تسمية المجلة هو الفاعل السياسي البارز إلياس العماري، فمن هي يا ترى  الدمى المتحركة باليد أو بطريقة التحكم عن بعد، لا شك أن المقصود به مهم العديد من الزعماء الحزبيين الذين قلنا أنهم يهابون جانبه.

والعماري رجل قصير القامة حاد الذكاء،ويزعم أقرب أصدقاءه بأنه رجل طيب مع الطيبين وقريب من الفقراء ووفي لبلدته وأقرب أصدقائه، لكنه في ذات الوقت شرس حين يتعلق الأمر بالشُّرّس ومناور كبير في مواجهة أعتى المناورين.

لقد أتى العماري إلى الدنيا في اول أيام سنة 1967، وكأنه لا يريد أن يضيع اي يوم من تلك السنة، فالرجل صانع للفرص ومغتنم لها.

لا يعرف الناس سر معاداته لأطروحات حزب العدالة والتنمية وللمرجعية الدينية لحركة التوحيد والإصلاح، رغم أن أباه محمد العماري كان فقيها في مسجد دوار “إمنود” حيث ولد إلياس.

لازال إلياس يحمل في رأسه جرحا غائرا بسبب إصابة سببها له المعلم في القسم وهو صغير،وللحكاية دلالتها فالتلميذ إلياس سمى البقرة ب”تافوناست” حين سأله المعلم عنها وهي مرسومة في السبورة.

أما غيرته على الأمازيغية فقد حجبتها الصراعات السياسية منذ أن شارك فؤاد عالي الهمة في تكوين حزب سياسي سمو”الأصالة والمعاصرة”.

وقد أثر هذا الحزب موجة من ردود الفعل لدى بعض السياسيين، فهو كان بمثابة الحوت الكبير الذي سيتلقف كل الأسماك فراح ضحيته منذ البداية حزب كان يتزعمه العسكري المتقاعد الكولونيل عبد الله القادري –الحزب الوطني الديمقراطي- وآخر كان يتزعمه الطبيب المختص في العظام نجيب الوزاني-حزب العهد-، أما الأستاذ الجامعي مصطفى المنصوري فقد ساتعصى على الأصالة والمعاصرة إقناعه بالاندماج إلى أن تمكن منه إلياس العماري فأقنع على ما يبدو أعضاء المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار لاستبداله بالرياضي في كرة السلة صلاح الدين مزوار.

وحين عصفت نسائم الربيع العربي ببعض شوارع المملكة نادى شباب عشرين فبراير برحيل إلياس العماري فأجابهم بالوسائل المتوفرة إليه:”فاين بغاوني نرحل؟”.

لقد كان الرجل محبا للصراعات منذ نعومة أظافره، فهو مزعج حد الإزعاج ولا يفرق بين الماء الصافي والعكر في السياسة أو خارجها. لقد احتج وهو تلميذ صغير في المطعم المدرسي على جودة الأكل، فطرد حينها من المطعم والداخلية المدرسية، وتبعته لعنات الطرد في كل مراحل حياته.

ورغم أن الكثير من معارضيه ينعتونه باليد الظاهرة للمخزن الخفي، او كما يسميه البعض “المخزن العميق”، فالشخص كثيرا ما يفند كل هذا ويعود بذاكرته إلى معاناته الطويلة مع المخزن، منذ كان الدرك الملكي يطلبون منه ومن أقرانه تنظيف القرية من الأزبال والنفايات، لكي يستفيدوا من التفرج مساء كل ثلاثاء من سنة 1974 من المسلسل الأجنبي”طارزان”.

أحلامه مع “طارزان” جعلته يجسد هذا الدور بإتقان كبير في غابة السياسة، حيث القوي يقهر الضعيف، والذكي يطيح بالأقل ذكاء.

لم تتوقف معاناة إلياس مع المخزن عند ذكريات الصبا، بل تجاوزته إلى أن أصبح تلميذا في الثانوي، حين طرد من الدراسة بسبب أحداث الريف سنة 1984، وكانت التهمة هي تمزيق العلم الوطني. فتاه العماري على وجه الأرض، بين فاس والرباط، يبيع الورق ويطلب العيش.

وستتغير حياة العماري كثيرا حين نسج خيوطا قوية مع الصحافيين، فقدم له أحدهم –أعتقد عزيز كوكاس-فؤاد عالي الهمة؛ كاتب الدولة في الداخلية حينها، فرصة لم يضيعها إلياس، لتبدأ رحلة العمل الخفي، قبل أن يصل إلى مرحلة العمل الجلي.