ابراهيم الوردي، ل”ماذا جرى”
في واقعة غريبة لها ما بعدها، وضع عمال أحد المصانع الفرنسية أمام تحدي اختيار بين أمرين أحلاهما مر. فقد أجرت إدارة شركة لصنع السيارات بمنطقة موزيل (Moselle) استفتاء غير ملزم بين مختلف عامليها، بعدما رفضت النقابات المؤطرة للعمال عرض الشركة بأن يعمل المستخدمون 39 ساعة أسبوعيا مقابل أجرة 37 ساعة، نظير التزام الشركة بالاحتفاظ بمناصب شغلهم حتى بعد سنة 2020، أو أن يحتفظوا بالوضع الحالي مع الاضطرار إلى تسريح عدد منهم. وذلك بالنظرا لوصول المفاوضات إلى الطريق المسدود بفعل تمسك النقابات بموقفها الرافض للمقترح. وفعلا أجري الاستفتاء وصوت 93 بالمائة من الناخبين، وأسفرت نتائجه عن قبول عرض الشركة بنسبة 56 بالمائة. وستعود الإدارة إلى التفاوض مع النقابات مدعومة بموقف مستخدميها.
إن الاستنتاج اللافت في مثل هذا الحدث يتمثل في أن هناك نقابات بدأت في فقدان وزنها بسبب واحد من العاملين التاليين: إما التشدد المفرط في الدفاع عن مصالح العمال دون الأخذ في الاعتبار للظرفية العامة للاقتصاد، وإما التساهل حد الشك في التواطؤ على مصالح الشغيلة.
وفي بلادنا لن يستغرب المرء من ملاحظة سيادة هذين النوعين من النقابات، وخصوصا الصنف الثاني، إلا من رحم ربك . ذلك أن الهجومات المتكررة والممنهجة التي تشنها حكومة خلطة الدين والليبرالية والشيوعية في المغرب ضدا على مصالح الشغيلة المغربية، ومسا لها في قوت يومها وفي مستقبل أبنائها، تجعل المرء لا يتيه كثيرا عند بحثه في الأسباب. فحين يتحول النقابيون إلى مستفيدين أوائل من الريع، وحين يكون هدفهم الأساسي هو قضاء مصالحهم الشخصية، وفي سبيل ذلك يخترقون القانون، فإنهم يصبحون لقمة سائغة في أيدي السلطات التي تمتلك زر الضغط عليهم فيستسلمون مثلما يفعل القط عند مسكه من وراء رقبته؛ فاقدا قوة استخدام المخالب والأنياب، وحين تكون نقابات متفقة ومنخرطة أو على الأقل صامتة ساكنة حيال الإجراءات الحكومية المعادية لمصالح الشغيلة، فماذا بقي منها سوى هيكل منخور فاقد للصلاحية؟!
ولمن يشك في ذلك، فليريني ما قامت به نقاباتنا العتيدة من رد فعل على القرارات الانفرادية والظالمة لحكومتنا بعد إضراب وطني يتيم لرفع الحرج والظهور في الصورة، غير الكلام والتهديد والوعيد الفارغ، ثم الخلود إلى صمت القبور.
إن كثيرا من القرارات الجائرة ليست مستندة على قوة الحكومة، بل على ضعف النقابات، النقابات التي خسرت تأثيرها حينما زاغ مسيروها عن الطريق الصحيح للنضال والتضحية النقابيين، ورأوا فيها فرصة للاستغناء وقضاء الأغراض الشخصية علاوة على “التبنيدة” مع المسؤولين الحكوميين.
إن الوضع الحالي يقتضي، وبدون مواربة، الصدع بالحقيقة. والحقيقة المرة هي أن المغاربة يستحقون نقابات أكثر مصداقية، وأكثر عفافا، وأكثر جرأة. وبمعنى أدق يجب مسح الطاولة وإعادة تشكيل العمل النقابي من البداية، بوجوه نقية، وجريئة، وناكرة للذات ومنفصلة عن الانتماء السياسي.