ابراهيم الوردي لـ”ماذا جرى”
تناقلت الأخبار منذ أقل من عام نبأ غاية في الغرابة يتمثل في كون حاكم إمارة عربية خليجية دفع مبلغا وصف بـ “القياسي”، يقدر بحوالي ثلاثة ملايين دولار، لشراء جحشة إنجليزية صغيرة، عمرها أقل من ثلاثة أشهر ليضمها إلى آلاف الجحشات في إسطبلاته في بريطانيا. وذلك ضمن مزادات الخيول الصغيرة في لندن. ووصف مستشار ذاك الحاكم، الصفقة بـ “الجيدة جدًا”. وإلى ذلك قام نفس الحاكم قام بشراء جحشين آخرين بمبلغ مليون و800 ألف دولار.
وحين نتحدث عن هذا النموذج من صرف الثروات العربية، والذي بدون شك، ليس إلا واحدا من العمليات المماثلة التي يقوم بها أثرياء بني جلدتنا، فإننا نقوم بذلك وسط إحساس باللوعة والحسرة. ذلك أن تلك الأصناف من المشتريات تدل على نوعية من العقول التي قدمت استقالتها من معانقة هموم الأمة وأوجاع أطفالها وشيوخها ونسائها، حصوصا في بلاد تعمها الحرب كسوريا، أو تجتاحها المجاعة من جراء الكوارث الطبيعية الأخرى.
إن الموقف يجرنا بل يجرجرنا و”يخبط”رؤوسنا بالأرض في هذه الأيام التي تشمر فيها دول من أوربا وأمريكا وأستراليا عن ساعد الجد وتسخر ميزانيات وإمكانيات ووقت لاستقبال اللاجئين من بني جلدتنا الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت في بلادهم، ولم يجدوا عطفا من دول شقيقة نفسها تساهم بكيفية أو بأخرى فيما تشهده بلادهم من حرب. هل أدركتم معي هول الكارثة حينما ينتقل ذهنكم بين صورتين: الأولى للطفل السوري الفطيم الذي لفظه البحر ، والثانية للجحشة التي ستوفر لها كل شروط العيش المخملي، إن الفرق بين الإثنين لا يعدو أن يكون ما وصل إليه ضمير الأمة المستغرق في”التوهان” كمتناول لمخدر قوي؟!
إنه بعملية حسابية بسيطة، فإذا كان مثل هذا الأمير أو الحاكم يستطيع أن ينفق 4 ملايين دولار مثلما يشتري طفل لعبة بـ 13 درهما في سوق شعبي، فلا شك أن مالكي الثروات العربية يستطيعون نفس الشيء. ولنفرض أن باعثا ما حرك نخوة المروءة والإنسانية والأخوة في العرق والدين، لدى هؤلاء الـ”مرفحين” العرب، وساهموا بأقل من 2 بالمائة من ثروتهم، أي بما لايمس هيبتهم ومستواهم المعيشي الارستقراطي المخملي، فمن المؤكد أن الإخوة المهجرين في سوريا لن يقتحموا الصعاب والأهوال كي يلتمسوا الأمان والعيش الكريم لدى الدول “غير الشقيقة” الغريبة.
قال الله تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً. وعلى حدود علمنا، فالحاكم العربي لن يركب الجحشة الصغيرة، إذن فقد بقيت للزينة، والزينة هنا تعود على الخيل أي الفرس، إذ ما من زينة للحمير التي قال عنها الحق سبحانه: إن أنكر الأصوات لصوت الحمير. ولنفرض أن حاكمنا العربي يريد التزين بالجحشة، فعلى حد علمنا أن الترفيه والزينة تأتي بعد استيفاء الواجب الأساس الذي هو تكريم بني الإنسان. والتكريم ينطلق أولا من المساهمة في توفير الحد الأدنى من شروط العيش: الأمان والمأكل والمشرب. أليس كذلك أيها الزعماء العرب الأجلاء العظماء؟! وصدق الله العظيم القائل: ولتسألن يومئذ عن النعيم.