خالد بنعلي، ل”ماذا جرى”

ألقت الانتخابات الجماعية و الجهوية ليوم 4 شتنبر 2015 أوزارها وارخت نتائجها بظلالها على المشهد الحزبي بين مبتهج ومغتبط بهذه النتيجة ومنزعج وغير راض عنها الأمر الذي يوحي بجولة ثانية ستتميز باختيارات يحكمها منطق ردة الفعل إبان انتخاب رئاسات مجالس الجماعات ومكاتبها.
والملفت للنظر أن نتائج الاستحقاقات خلفت تصريحات وردود فعل متباينة من طرف الفاعلين الحزبيين بين منتقد لها اعتبارا لما سجلته من مناوشات وحضور للمال وشراء الذمم وبين مرحب بنتائجها واعتبارها نموذجا للانتخابات في المستقبل. كما سجلت ظاهرة تقمص البعض دور اللاعب والحكم من خلال إصدار أحكام قطع دابر الفساد في هذه الجماعة أو تلك بالرغم من كون الاستحقاقات لا تعدو أن تكون آلية ديمقراطية تعبر عن موقف الناخب من المنتخب وتخول الشرعية الديمقراطية لهذا الطرف أو ذاك او تسحبها حين لا يفي هذا الأخير بالوعود التي قطعها أما الساكنة إبان الاستحقاقات.
ويساهم هذا الخلط في الأدوار كلما حلت الاستحقاقات في تعسير وتعقيد ظاهرة تصويت الناخب المغربي التي تعتمد على نمط قبلي أو عائلي او ديني او على المصالح وإما على نمط عقابي تتحول معه بوصلة التصويت من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال وهو ما يضفي دائما طابع الحدث الاستثنائي على الاستحقاقات عوض أن تكون حدثا عاديا. وبالتالي فإن نسبة التصويت المسجلة مهما كانت نسبتها فإنها لا تترجم مدى قناعة الناخب ببرنامج معين ولا تؤشر على مدى انخراط المواطن في الحياة السياسة.
وإذا كان ينظر إلى الاستحقاقات الانتخابية عموما على أنها استثمار سياسي يرتبط بطبيعتها ومحيطها الجغرافي وتساهم في إرساء وتقوية المسارات الديمقراطية للأمم، فإن استحقاقات 4 شتنبر 2015 بالرغم من كونها تهم الجماعات المحلية والجهوية خرجت عن هذه القاعدة لكونها اتسمت بمنطق اختبار موازين القوى بين المعارضة والأغلبية الحومية بدليل أن الحملة والتجمعات المكوكية لمجموعة من الأمناء العامين للأحزاب والبرامج الانتخابية ركزت على الشأن الوطني على حساب الشأن المحلي ولم تشهد تنوعا ولا تميزا بين الأحزاب يترجم اجتهاد الأحزاب السياسية في ابتكار استراتيجيات ورؤى جديدة لتدبير الشأن المحلي والجهوي وخاصة تلك المتعلقة بآليات التمويل التي تعتبر وسيلة الإقناع التي تمكن من ربط المسؤولية بالمحاسبة والتي تبقى الغائب الكبير. وبالرغم من الحركية التي عرفتها الحملة الانتخابية، فإنها لم تستطع انتشال السياسة من الطابع الفرجوي الذي اتسمت به خطابات مجموعة من الأمناء العامين.
كما أبرزت هذه الاستحقاقات ضعف تأطير الأحزاب السياسية المغربية للمواطن حيث اعتمدت فئة لوحظ اعتماد فئة لا يستهان بها من مرشحي الأحزاب على يد عاملة تتقاضى أجرا يوميا في وقت كان المناضلون يتكفلون بهذه المهمة في السابق بصفة تلقائية وتطوعية. من باب العبث أن نتصور أن مستأجرا بإمكانه أن يعرف بالحزب ويقنع المواطن وهو ما ساهم في استمرار ضعف التواصل مع المواطن وتكوين الانطباع لديه بأن الأحزاب لا تختلف عن بعضها ويترتب عنه لجوء الناخب إلى منطق التصويت بمنطق القبلية أو العائلة او الدين او المصالح او التصويت العقابي.
و تفسر في اعتقادي الشخصي هذه النقائص بشكل كبير استمرار عدم مساهمة أزيد من 46% من الكتلة الناخبة بعد إضافة عدد الأصوات الملغاة وهو ما يؤكد أن علاقة المواطن بالأحزاب السياسة مازالت تشهد قطيعة بين الطرفين ومعضلة تبقى بدون حل إلى أجل غير مسمى وتبقى مسؤولية تقليصها على عاتق الفاعل الحزبي.
وقد ساهمت الحملة الانتخابية بما عرفته من من نقائص في إفراز نتائج تتسم بالبلقنة تفرض إبرام تحالفات لتأسيس مجالس ومكاتب جماعية وجهوية ومفاوضات جد شاقة ومعقدة باعتبارها مطالبة باحترام قرارات الهيئات التقريرية الوطنية وخصوصيات الجماعات والجهات.
ومن هذا المنطلق وبالنظر إلى الرهانات والآمال التنموية المعقودة على الاستحقاقات المحلية والجهوية، فإن محطة تكوين المكاتب وانتخاب رئاسة الجماعات والجهات ستشكل محكا حقيقيا للأحزاب وامتحانا لمدى جديتها وإدراكها لأهمية احترام آليات الحكامة الجدية التي جاءت بها القوانين الانتخابية والعمل على بلورة تحالفات طبيعية ومنطقية تساير الشرعية الديمقراطية التي منحها المواطن لهذا الحزب أو ذاك بعيد عن منطق الكرسي والغنيمة.

يتبع