ابراهيم الوردي لـ”ماذا جرى”
بعد أن انفض سوق الانتخابات الجماعية وتوزعت الانتصارات والانتكاسات، ومع بدء مخاض الاتصالات والمشاورات والاستقطابات في عملية وضع تشكيلات المكاتب المسيرة للجماعات الترابية، وفي انتظار الاستقرار النهائي لمكاتب تسيير هذه الجماعات، بدأ المحللون والمراقبون في تحليل مجمل ما عرفته هذه العملية التي أعلن عن الرغبة في أن تكون مثالا لواحة ديمقراطية مغربية فريدة في محيط من صحراء يطبعه سيادة الرأي الوحيد وانعدام الاستقرار.
وإذا عدنا إلى النتائج الرقمية المسجلة، وما يلفت الأنظار من تحقيق حزب العدالة والتنمية لمكاسب كانت موضع تخوف وارتياب حتى عشية الانتخابات، فإن ما حملته تلك النتائج، في رأي عدد من المراقبين السياسيين، يمكن أن تكون أي شيء سوى أن تحمل طابع الفجائية. ويستند أصحاب هذا الرأي على معطيات واضحة مثل الشمس في عز الظهيرة؛ ومنها:
ـ أولا: أن المواطنين المصوتين لصالح الحزب لم يعطوا صوتهم بناء على تقييم إيجابي لممارسة الحزب في التسيير الترابي (نسبة تسيير الحزب للجماعات في الفترة الماضية لم تتعد عدد أصابع اليد)، إذا فهناك أساس أو أسس أخرى انبنى عليها اختيار الطبقة الناخبة. وتتعلق بتقييم سلبي لطريقة ونتائج تدبير باقي الأحزاب للجماعات، والرغبة في التغيير، وطبعا – وفي غياب تجربة ناجحة للحزب في التسيير- فإن الناخب أراد بتصويته على حزب المصباح أن يكون تصويته عقابيا للأحزاب المسيرة، وفي نفس الوقت فسح المجال أمام مناضلي ذلك الحزب لتنفيذ سياسته في محاولة للتغيير وتجريب الآخر، لا أقل ولا أكثر؛
ـ ثانيا: اعتمد الحزب في حشد الأصوات على عاملين أساسيين: الأول: قوة خطابه التواصلي المستند على المرجعية الدينية، ثانيا: ثقة المواطن في مرجعية الحزب التي “تنزهه” عن الممارسات اللا أخلاقية في تسيير الجماعات، ذلك أن الرأي العام لم يتهم المسؤولين الجماعيين للحزب بما يعرف عن عدد من مناضلي الهيئات الأخرى من سوء تدبير وانزلاقات في التسيير. وهنا تجب الإشارة إلى أن الرأي العام غابت عن أذهانه الأحداث التي عرفتها مدينة مكناس التي كانت رئاستها تابعة لشخص وازن في حزب المصباح، انتهت بإقصاء الأخير من المهمة؛
ثالثا: قوة ونجاعة بعض الممارسات “الخيرية” والأعمال الاجتماعية التي يقوم بها مناضلو الحزب عن قرب في الأحياء السكنية المهمشة في المدن والقرى، مما أكسب الحزب مكانة لاتحققها أقوى الحملات التواصلية لأي تنظيم سياسي آخر؛
رابعا: الطبيعة القريبة من “الانحطاط” التي اكتستها الحرب الإعلامية التي مارستها قيادات هيئات أخرى منافسة؛ حيث تعدت مستوى المنافسة الإعلامية الشريفة إلى الدخول في أساليب تطعن في الأشخاص ومكانتهم الاعتبارية. وفي نفس الآن عدم انجرار قادة حزب المصباح إلى المعاملة بالمثل مما أتاح لهم مكاسب أحسن مما لو مارسوا الحرب بنفس الوسائل.
وبعد.. ماذا يمكننا أن نتوقع حول كيفية تعامل الحزب مع مسار التسيير والتدبير في الجماعات؟! لايمكننا التنبؤ بما سيحمله مستقبل الأيام، لكن يمكننا تحليل بعض المؤشرات التي بدأت تلوح في الأفق؛ ومنها على الخصوص:
ـ أولا: صغيرة وقليلة هي تجربة الحزب في تسيير الجماعات، لكن إذا استند على الأفعال المنبثقة من التسيير العام الحكومي؛ حيث تلتجأ الحكومة في سياساتها على الحائط القصير وهو المواطن، عوض مواجهة الملفات الكبرى بحزم، فإنه بعد انتهاء فترة سكرة الفرح بالنتائج، فعين المواطن متفتحة على كل انزلاق في التسيير؛
ـ ثانيا: بالنسبة لمسألة التحالفات في الجماعات التي لا يملك فيها الحزب الأغلبية، فرغم أن قيادة الحزب أوضحت بما لايدع مجالا للشك، حدودها والأطراف الممنوع التحالف معها، إلا أن هناك مؤشرات عن “تمرد” بعض المناضلين المنتخبين بدأت تخالف ذلك؛
ـ ثالثا: وحتى ولو افترضنا حسن وصفاء نية منتخبي الحزب، فإن الخريطة المبلقنة التي فرضتها النتائج في بعض المناطق يجعل من الصعب تنفيذ برامجهم إذا كانت هناك برامج وتخطيطات فعلا؛
وفي الختام؛ فإن الفرصة التي أتيحت للحزب في الجمع بين قيادة الحكومة، وقيادة التسيير في كثير من الجماعات وخاصة المدن الكبرى، تفتح أمام الحزب مسارين واضحين واختيارا مفصليا: إما الوفاء لمضمون خطابه التواصلي الذي أوصله للحكم والقيام بإجراءات وأعمال ملموسة وطنيا وعلى مستوى الجماعات، مما يفرز تحولا واضحا بين وضعية قديمة سلبية ووضعية جديدة مرجوة، وإما أن يواجه الحزب خطر فقدان المصداقية والتحول إلى نفس ما حاول التميز عنه؛ وهو أن يصبح الحزب لا يتميز عن طبقة ما يسمى بالأحزاب الإدارية، أو تلك التي أصبحتيسارية بالإسم فقط.