عبد العزيز الرماني

هناك أحزاب تتلقى أوامرها بالهاتف، وكأنها تلفزات تشتغل ب”الروموت كونترول” أي بآلات التحكم عن بعد، لا تملك كاريزما حزبية ولا موقعا مهيبا.

هذه الأحزاب وما أكثرها في بلدي تشبه قطيع الخرفان الذي ينساق وراء الكبش الذي يوجد في الأمام، والكبش لن يكون سوى قائدا ضعيف البصر كالأعشى.

يقول البارعون في البيع والشراء :”الله يجعل الغفلة بين البائع والشاري”، أما أهل القانون فقد حسموا أمرهم في كون”القانون لا يحمي المغفلين”، وفي حياتنا السياسية لا احد يستطيع فك رموز هذه الغفلة التي طال أمدها وتقبلها الشعب بخنوع.

ففي حياتنا السياسية أحزاب كثيرة ظهرت في غفلة من الجميع، ثم اختفت وكأنها لم تكن .ولا أحد تسعه ذاكرته او وثائقه ليذكرنا ب “الحزب الديمقراطي المغربي للرجال الأحرار” وكان على رأسه في اواخر الاربعينات شخص اسمه عبد العالي الإدريسي، أو “حزب الشعب المغربي” وكان على رأسه شخص اسمه عبد القادر الزمراني، ومن يذكر حزبا قيل انه اشتراكي حينها “الحزب الاشتراكي المغربي” وكان على رأسه أحد الفقهاء واسمه الحاج احمد اشماعو….

ولو أردنا ان نستمر في سرد أسماء الاحزاب التي ظهرت ثم اختفت كالثعلب الذي حكى عنه الراحل محمد زفزاف في روايته”الثعلب الذي يظهر ويختفي” لما وسعتنا مساحة المقال وضيق المجال.

إن تاريخ حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي الذين سميا ثارة أحزاب الحركة الوطنية وثارة أخرى أحزاب الكتلة الوطنية، يلقي على عاتقهما مسؤولية لا يجب التعامل معها بالغفلة والتخاذل. والحالة هذه فإن قراء الحقيقة والتاريخ تبين لهم في لحظة من اللحظات سوء المآل الذي قسم ظهر هذين الحزبين، حتى بدا أحدهما في وضع التيس الذي كثر صياحه والآخر في وضع الشيخ الذي كثر أنينه.

فالأمية والفقر والحاجة والطمع والأشياء أخرى ساهمت في إنعاش الغفلة في بيوت الكثير من المغاربة فتركوا السياسة لحالها ولغير أهلها، إلى أن ترعرعت الغفلة وكبرت وتقوت، فظهر قوم في أحزاب أخرى يبيحون كل شيء ويقودون السياسة بالألعاب البهلوانية وحركات تشبه رقصات القردة.

لا أكاد اصدق أن بلدي تناوبت عليه كل الحركات المكونة للأحزاب في ظرف وجيز، وحكمت حكمها، ثم نفضت أياديها بطمأنينة وراحة بال .

كم يعجبني المعري وهو يصرخ في وجهنا:

تعب كلها الحياة فلا أعجب     إلا لمن راغب في ازدياد

أنا أيضا أعجب لكل من يرغب في تأسيس حزب جديد، وأعجب أكثر لكل من يبحث عن حزب لينخرط فيه.

فالأحزاب التي ذكرناها في بداية هذا المكتوب لا تذكرها إلا بعض الوثائق السياسية المهملة ، اما الذاكرة والتاريخ فلا يبدو ا ن أيا منهما اهتم بها كثيرا.

وها نحن اليوم نعيش زمنا تتوالد فيه الأحزاب وتحتفظ فيه بالحجم الذي ولدت عليه، كمن يولد بعاهة أو إعاقة،فلا الذاكرة ولا التاريخ سيذكرها يوما، ولا الوثائق المهملة ستدون اسمها.

إن الغفلة السياسية مهلكة  للقبيلة وشرفها وتاريخها،وهي التي تجعل المرء يتغاضى عن سوءات الاستغباء والاستبلاد، والخنوع والركوع، ويجعلها شيمة وشكيمة. بل إن هذه الغفلة هي من  أسكنت في ذوات أبناء القبيلة لغة الصمت والخوف والتغاضي.وهي من علمت الناس الحديث عن الغفلة في البيع والشراء، التي تشبه كثيرا الغفلة أمام صناديق الاقتراع.

فحذار يا من ستصوتون غدا من الغفلة أمام الصناديق..إنها مهلكة للقبيلة ومصيبة للأمة.