الداخلة (المغرب): جوسلين إيليا

من باريس إلى الصحراء

بدأت الرحلة كالعادة من لندن، ولكن هذه المرة لعبت الفرانكوفونية دورها وألقت اللغة الفرنسية بظلالها منذ اللحظات الأولى للرحلة التي انطلقت بعد وصولنا إلى باريس عبر قطارات «يوروستار»، وفي صباح باريسي ماطر كان لا بد أن نترك الغيوم التي كانت تلبد سماء العاصمة الباريسية متشوقين لرؤية الشمس التي تبسط أشعتها على «الداخلة» على مدار أيام السنة.

بصراحة لم أكن أعرف ما ينتظرني في الداخلة، لأني لم ألتقِ بأحد كان قد زارها من قبل ليزودني بالمعلومات، كما أن المعلومات المتوفرة على الإنترنت محدودة، واكتشفت بعدها بأنها لا تنصف جمال تلك البقعة.

كانت الرحلة الخاصة مع شركة «ترانسافيا» التي تؤجر طائراتها إلى وجهات مختلفة، واستغرقت الرحلة من مطار «شارل ديغول» إلى مطار الداخلة نحو الأربع ساعات، ومع اقترابنا من المدينة نصح الطيار المسافرين الجالسين عند الجهة اليسرى بالتمتع بمنظر صحراء الداخلة وهي تدخل في عباب البحر الأطلسي، سمعت بأن المشهد كان رائعا، لأنني للأسف كنت أجلس عند الجهة اليمنى، ولكن الأمر لم يقلقني لأنني كنت على يقين بأن الصحراء لن تبخل علي بجمالها ما أن تطأ قدمي أرضها وأغطها في ماء بحرها.

وبعد الخروج من المطار الصغير، كانت الموسيقى الحسانية الصحراوية باستقبالنا، وامتزجت مع أزيز الرياح اللطيفة التي كانت تلفح «لحاف» النساء الصحراويات (زي صحراوي تقليدي يعرف باسم الملحفة أواللحاف) وهن يقمن بتحضير الشاي المغربي التي كانت تفوح رائحته من كل أرجاء الخيمة في فناء المطار.

في الطريق إلى مكان إقامتنا في فندق «باب البحر»، لاحظت الهدوء والنظافة، والأبنية الصغيرة البيضاء التي لم تفلت من هيمنة الأطباق الفضائية اللاقطة التي تعلوها، الشوارع واسعة، والأرض مسطحة بشكل لافت وتحيط بها الرمال من كل جنب باستثناء الجهة المطلة على البحر، فالداخلة التي تعرف أيضا بوادي الذهب، تعد شبه جزيرة لأن البحر يحيط بها من جنوبها وشرقها وغربها، أما في الجهة الشمالية فترتبط بالعالم البري، وتكون النتيجة صحراء جميلة وكثبان رملية برسم الاستكشاف.

زيارات خاصة:

في الداخلة هدوء ملحوظ وأمان ملموس، فيكفي أن تقوم بجولة مشي في وسط المدينة القريب من مطارها حتى تتعرف على طيبة شعبها وهندستها المعمارية التي لا تزال متأثرة جدا بالنمط الإسباني وكان يطلق عليها في عهد الإسبان اسم Villa Cisneros وكان يسكنها صيادو الأسماك نسبة للثروة السمكية التي تشتهر بها الداخلة التي شيدت عام 1884 ولا تزال لغاية اليوم هناك نماذج وأبنية وساحات تعود لأيام الإسبان بما فيها كنيسة كاثوليكية تفتح أبوابها أمام المصلين أيام الآحاد.

ومن أجمل الزيارات في الداخلة، هي زيارة الكثبان البيضاء Dunes Blanches، فالرحلة إليها من وسط المدينة تستغرق نحو العشرين دقيقة بواسطة السيارات رباعية الدفع تصل بعدها إلى مدخل ذلك القسم من الصحراء، فتقوم برحلة مشي على الأقدام لنحو النصف الساعة، ولكن شغفك للوصول إلى تلك الكثبان التي تزين الأفق القريب، وعلى رمال بيضاء ناعمة كالحرير، ناشفة أحيانا ومبللة أحيانا أخرى بسبب ولوج مياه الأطلسي إليها، تصل إلى تلك التلة الرملية الرائعة، وبمجرد وصولك إلى القمة لن تتماسك أنفاسك، وستقف كتمثال مسمر مسحور بمنظر تلك الصحراء الغريبة، فتجد بحيرة ضحلة تتباهى بزرقة مياهها وتغازل الرمل الذي تبلل أطرافه. المشهد أكثر من جميل، فعادة ما يكون منظر البحر والجلوس على شاطئه من أكثر ما يهدئ الأعصاب فتخيل هنا، لديك البحر والصحراء سوية.

وبعد الجلوس والتمتع برؤية البحر وطيور «الفلامينغو» بوقفتها الأنيقة، كان قد حان موعد زيارة واحدة من أهم مزارع المحار في الداخلة وتوجد في منطقة «بوطلحة» ويطلق عليها اسم «طلحة مار»، ويمكن أن تجد الأقفاص في قعر الماء وفيها الآلاف من المحار التي يتم تصديرها للخارج، ومن الممكن أن تتذوق في المزرعة أجود أنواع المحار على الإطلاق. كما توجد في المزرعة أنواع لا تحصى ولا تعد من أنواع الأسماك التي تستهلك محليا وتصدر أيضا للخارج.

وبعد المحار كان لا بد بأن تتحفنا الداخلة بسر آخر وهو أنها من أكبر مصدري الطماطم إلى أوروبا، فتوجهنا إلى مزرعة ضخمة لزراعة الطماطم في خيم مخصصة تنتج كميات كبيرة وتباع في كل أرجاء أوروبا بما فيها المملكة المتحدة، واللافت هو حلاوة مذاقها لدرجة أنك ستنسى أنك موجود في صحراء قاحلة.