شعر بضيق نفس وهو في الطائرة التي كانت تحث الترحال نحو الشمال. الشمس كانت في الجهة المخالفة لتوجه الطائر الحديدي، كبيرة لكن بعيدة. “المسافرون كلهم نساء إلا نصفهم”. هكذا تصور حين وقف ليتأمل من كان معه. شعر بنفسه فحلا في سماء لم تعد فعلا سماء ما دامت له القدرة على أن يتصرف في الأعالي وكأن قدميه على أرض صلبة. وكأنما هو في صالون بيته. المضيفة الجميلة كانت تملأ الممر بين صفي المقاعد بشعرها الطويل. قال إن من شأن الجاذبية المضاعفة في السماء أن تطيل شعر وأظافر المضيفات، وربما تجعل مشاعرهن تتناسل لتغمر الكل المسافرين،وأمتعتهم وسقط متاعهم. ضحك بدفء من تصوراته. قال عنها إنها أضغاث ما بين الأرض والسماء. تأمل الراكبين. كانوا كلهم نياما من فرط التعب، أو لانتشال الطائرة أجسامهم إلى فوق بعيدا عن صخب الحياة تحت. أطل من النافذة الصغيرة. راى الأرض تحت. حاول أن يتبين المدينة التي يقطنها، والإدراة التي أدار ظهره لها. أكيد هو يعرف أنه لن يراها بأم عينيه. لكنه حاول فقط من أجل المحاولة. ربما المحاولة في السماء ليست كالمحاولة على الأرض. خطرت له فكرة استحسنها في الأول، ثم استقبحها، ثم استحسنها مرة ثانية. قال إنه عازم على فتح الباب الجانبي للطائرة. يعرف أن هذا العمل لا يقوم به إلا مجنون. قال “ما دمت لم أقم بالفعلة فأنا لست مجنونا، وحين أقدم على الفعلة، أكون قد جننت ولم يعد علي حرج !” تذكر مرة أخرى كيف أن رئيسه في العمل عنّفه أمس وحقّره ومسح به الأرض أمام زملائه دون سبب وجيه غير أنه لم ينجز عملا في وقته، وهو ما كلف الشركة التي يعمل بها خسارة تناهز مجمل أجور العاملين لخمس سنوات. دار الدم بسرعة في شرايينه. قال “المدير ابن كلب” وكان يعني أن المدير كلب متأصل، لا قطرة فيه من دماء الآدميين. أصر داخله على أن ينتقم لكبريائه من المدير الغائب بفتح باب الطائرة وترك تيار الهواء القاتل ينسف كل شيء فيها. اقترب من الباب الجانبي للطائرة. كانت المضيفة واقفة ترقبه من بعيد قريبا من قمرة القيادة. كان شعرها الطويل يتسلل كأفعى أمازونية عبر الممر بين صفي المقاعد الجلدية. كان عاقدا العزم على أن ينتقم بشراسة للإهانة التي تلقاها من مديره بالكيفية البلهاء التي فكر فيها. هو يعرف أنه سيرتكب جريمة بشعة في حق حوالي مائتي شخص. لكنها جريمة سيكون لها طعم غير مسبوق. إنها لن تشبه الجرائم الأخرى، لأنه سيتم اقترافها في السماء. “كلهم نساء إلا نصفهم”، ظل يردد وهو تحت وطأة غضب دفين. لاحظ فجأة أن شعر المضيفة ينساب قربه في ممر الطائرة. نظر إلى المضيفة هنالك. ابتسمت له. أحس بنفسه قريبا جدا من القمر. طبعا حين يكون الإنسان في السماء فهو لا شك أقرب إلى القمر منه حين يكون على الأرض. أمسك بجديلة الشعر الزاحفة. كانت دافئة جدا. لفها على عنقه. كانت المضيفة تبتسم له وهي تعرف أنه اختار الموت شنقا بجديلة شعرها. هي تعرف أنه هرب من موت إلى موت. من موت بارد إلى موت رحيم.
لما حطت الطائرة ظل هو عالقا بالسماء، والقمر يلاعب ببراءة ظاهرة ضفائره المذهّبة.

 

صفحة فايسبوك الأستاذ عبد الوهاب الرامي