استرعى انتباهي ما تتناقله الأخبار هناك في أمريكا، أو بلاد العم سام كما يحلو لهم أن يسموها هناك، وما أحدثته من تأثيرات مختلفة على وسائل الإعلام الغربية عموما. ولا أتحدث عن وسائل الإعلام العربية، لأن مثل هذه الأخبار لا تعجب الساسة وأصحاب المهام من أصغر مسؤول في إدارة قروية إلى من يمتلك صولجان الدولة في أعلى الهرم في دولنا العربية.
وقبل الخوض في جوهر الموضوع، دعوني أعود بكم إلى تاريخ 20 يوليو 1969؛ حيث فريق البعثة” أبولو 11″ يحقق أول مهمة بشرية مأهولة تهبط على سطح القمر، ومعها نتذكر المشاهد التلفزيونية لتلك الخطوات المتسارعة في ثرى القمر لرائد الفضاء بيز ألدغان Buzz Aldrin وما واكب ذلك من شعور عالمي بفتح جديد في الآفاق البعيدة عن كوكبنا الأزرق الصغير. قد تقولون بأن كل ذلك معروف، فأين الجديد؟ لتسمح لي سعة صدركم، فهذا هو المفتاح، ومن هنا تبدأ القضية. إن الولايات المتحدة بقضها وقضيضها سخرت كل إمكانياتها؛ أو كما يقال أنفقت دون حساب لتحقيق هذا السبق التاريخي والعلمي. لكن دعوني أصحح؛ ففي الولايات المتحدة المعروفة بغناها وثرواتها وحجمها العالمي ليس هناك شيء اسمه “الإنفاق بلا حساب”. فكل سنت محسوب وكل دولار مسؤول عنه، وكذلك الشأن لكل مادة أو تجهيز. وليست هناك مهمة ينفق فيها على السجية وكيفما اتفق، حتى وإن كانت بحجم اكتشاف عالمي جديد أو رحلة إلى أبعد المناطق في الكون. أعود بكم إلى رائد الفضاء Buzz Aldrin، هذا الرجل، أشرك الرأي العام الوطني في بلاده والدولي في معلومة غاية في الأهمية؛ حيث نشر في حسابه على الفايسبوك، يوم الجمعة الماضي، 31 يوليوز 2015، وثيقتين مرتبطتين برحلته إلى القمر: الأولى تهم بيان تكليفه بمهمة، والثانية هي تصريحه بالممتكات التى دخل بها التراب الأمريكي بعد عودته من مهمته!!! نعم.. في خضم الهالة العالمية، والإنجاز العلمي، ومخاطر الرحلة، لم تنس الإدارة العمومية ولا إدارة الضرائب مهامهما، فقام المشاركون في الرحلة بتعبئة الوثائق اللازمة بعد العودة وفور انتهاء المهمة.
وتنص الوثيقة الأولى، الخاصة بتكليف بمهمة على أن المعني بالأمر استفاد من تعويضات تنقل بمبلغ 33,31دولارا عن المسافة التي تربط منزله بقاعدة هيوستن الفضائية، أي ما يعادل 215 دولارا بقيمة اليوم. وتنص الوثيقة الثانية الخاصة بالتصريح بالممتلكات، أن السيد ألدغان جلب معه 22 كيلوغراما من الأحجار القمرية وكمية من الأتربة.
لقد حدث هذا سنة 1969، ففي الولايات المتحدة لا تمزح إدارة الضرائب، بل تأخذ كل شيء على محمل الجد، وإلا ما وصلت البلاد إلى مكانة ريادة العالم التي هي عليها الآن. فحين يتعلق الأمر بأموال الشعب المتحصلة من دفع الضرائب، فلا تهاون إطلاقا مهما يكن موقع ومسؤولية الشخص. لا نقول بأنهم كلهم ملائكة ويؤدون ما بذمتهم للخزينة العامة، ولكن الذي يكتشف تهربه أو مغالطته للإدارة، سيكون مصيره عصيبا ويكون محل استهجان الكل هناك. ولا يسعنا الحيز هنا للحديث عن أمثلة لذلك. وهنا مربط الفرس.. كم من مسؤولين وأصحاب رؤوس أموال في دولنا المحتاجة لكل درهم ودينار، يؤمن بقدسية أداء الضرائب؟ ومن هو هذا المسؤول وصاحب الأموال الذي يصرح بشفافية بما لديه؟ وحتى في بلادنا المغرب حيث وضعت إلزامية التصريح بالممتلكات من خلال قانون ملزم للمسؤولين الإداريين الكبار، فمن يقوم بذلك بكل حزم وشفافية بعيدا عن إخفاء هذه الأموال أو تلك الممتلكات؟ أو إسنادها تحايلا وتهربا لأحد أفراد الأسرة أو العائلة؟.
على الذين يفعلون ذلك، ويتهربوا من واجبهم الوطني والأخلاقي أن يتذكروا ما وقع لقارون الذي رفض أن يتنازل عن حق المساكين وحق الدولة من ثروته الطائلة حين تنكر لواجبه قائلا: “إنما أوتيته على علم عندي” فكان المصير كما صوره القرآن الكريم في سورة القصص: “قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ …. فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ
وختاما، فإذا أردنا أن نجيب على السؤال الأبدي: لماذا تقدم أولئك وتخلفنا نحن؟ فمن هنا البداية… ودمتم في رعاية الله.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ