تشهد ألمانيا في هذه الأيام قضية ساخنة مثل سخونة الصيف. وتمس قطاعات السياسة والاستخبارات والإعلام. بدأت القصة حينما نشر إحدى المدونات في الأنترنيت (Blog) وثائق سرية مصدرها مصالح المخابرات الداخلية الألمانية؛ وهو شيء عادي بالنظر لتخصص تلك المدونة في مجال التحقيقات الصحفية، وخاصة ما يتعلق بالحريات الشخصية والدفاع عن الحقوق في العالم الرقمي. كما أن فريق عمل المدونة معروف هناك بجديته وجودة تحقيقاته ونال جوائز عن ذلك. وهذه المرة، وضع محققو المدونة أيديهم على وثائق توضح الكيفية التي ينوي مسؤولو الاستخبارات الداخلية اعتمادها في مراقبة عدد من الأنشطة في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى شبكة الأنترنيت بصفة عامة. وهنا يتشكل منعطف القضية حيث بادر النائب العام إلى فتح تحقيق أولي بناء على شكايتين من مصالح الاستخبارات، وتوج بتوجيه تهمة ثقيلة إلى الصحفيين المسؤولين عن التحقيق؛ وهي تهمة الخيانة العظمى، مع نيته في تابعة المعنيين بالأمر، لكونه اعتبر الوثيقتين مشمولتين بطابع أسرار الدولة. وإثر ذلك اندلعت موجة من الاحتجاجات في صفوف صحفيي وسائل الإعلام الألمانية، الذين اعتبروا ذلك مسا صارخا بحرية الصحافة، ومحاولة لترهيب الصحفيين المنتقدين. ومما سيزيد الأمر إثارة كون المسؤولين السياسيين الألمان يؤيدون موقف الصحافة. وهكذا سارع وزير العدل إلى إعلان تبرأه من قرار النائب العام، مشككا في الأمر، كما صرح أن الوثيقتين لا تحملان قطعا طابع سرية الدولة، وعليه قامت مصالح وزارة العدل بتوجيه تحذير إلى النائب العام من إجراءاته التي وصفتها بالمبالغة والمحفوفة بالمخاطر.
ومن جهتها، أعلنت المستشارة أنجيلا ميركيل من مقر عطلتها الصيفية، مساندتها وبدون تحفظ لوزير العدل في هذا الملف. وأمام ذلك، لم يقف النائب العام مكتوف الأيدي، بل وجه اتهاما لوزير العدل وهو رئيسه الإداري، بالتدخل في دعوى قضائية. الوزير أعتبر ذلك مبالغة غير مقبولة، فقام بإعفاء النائب العام من مهامه. ولعل الضحية القادمة في هذه القضية لن يكون سوى رئيس المخابرات الداخلية الذي تشير إليه الأصابع بسبب طريقته في مهاجمة الصحفيين، في الوقت الذي لم يستطع فيه منع التسريبات في مصالح إدارته.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ