وأخيرا بدأنا نرى في الإعلام الإسرائيلي والغربي عبارة “الإرهاب” ملتصقة بالأعمال الإجرامية التي يقوم بها المستوطنون اليهود ضد السكان العرب. لقد كانت “إسرائيل”، صاحبة اليد الطولى في توجيه الإعلام الغربي، تتعامل مع خطورة تلك الأعمال الإجرامية بشتى الطرق الاحتيالية كي تحافظ على الصورة الجميلة التي تسوقها دائما باعتبارها “واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. ومن تلك الطرق: ادعاء كون تلك الاعتداءات “معزولة” و”فردية”؛ وبالتالي فهي ليست ممهنجة، مع استبعاد الإشارة إلى ضلوع الدولة فيها، وحفظ الشكايات التي يتقدم بها الضحايا من العرب، وعدم اعتقال أي شخص تورط فيها، والتحايل القضائي كي لا يتعرض مرتكبوها للمتابعة والعقاب من خلال تمتيع القلة التي اعتقلت بالسراح المشروط عوض الاعتقال في انتظار المحاكمة التي لاتت في الغالب.
والواقع أن تلك الاعتداءات ذات الطابع العنصري تحركها أياد وأفكار دينية مفرطة في التعصب والتطرف الديني اليهودي الأعمى الذي يسعى إلى “تطهير” الأرض من “الأغيار” ويقصد بهم كل من هو غير يهودي.
لقد سعت الآلة الإعلامية الجهنمية إلى التقليل من خطورة هؤلاء، في الوقت الذي تسلط فيه الأضواء وتضخم كل عمل مماثل من جانب المتطرفين الإسلاميين حتى تم إلصاق عبارة “الإرهاب” بكل من يحاول الدفاع عن حقوقه من التنظيمات الفلسطينية التي تقاوم الاحتلال، وتعدى الوصف ذلك حتى أصبحت تنعت به كل التيارات الإسلامية وخاصة المتطرفة. بل وتم حشد كل قوى العالم لمحاربتها. نعم صحيح أن هناك تنظيمات تدعي “تطبيق الإسلام الصحيح” أفرطت في تطرفها، وبالغت في وحشيتها حتى أصبحت تروع الآمنين من الشعوب المغلوبة على أمرها، ومن هنا جاءت عبارة “الإرهاب”؛ أي ترهيب الناس وتخويفهم والاعتداء عليهم بحيث لا يمكن أن يحسوا بالاطمئنان، وبالتالي وجب التصدي لها ومحاربتها والقضاء عليها.
فإذا كان وصف “الإرهاب” تبعا لذلك، يعني التطرف والعدوان من أسس ودوافع دينية، كما هو الشأن في الأشخاص والجماعات الإسلامية المعتدية، فإن ممارسات الجماعات الدينية اليهودية لا تقل عنفا وإرهابا عنها. فلماذا لا يأخذ الإعلام الغربي ذلك في الحسبان؟ سواء بتعمده التجاهل أو بالانتقاص من خطورته؟!
لقد رأينا العالم كله يسخر إمكانياته لمحاربة “الإرهاب الإسلامي” وعقدت في ذلك مؤتمرات، وأعدت الخطط، وسخرت الإمكانيات المادية والبشرية والقانونية، وانخرط الجميع بما فيها حكومات البلدان الإسلامية في هذه الحرب التي تجد مبرراتها في الفظاعات المرتكبة باسم الدين الإسلامي البريء منها تماما. لكن في المقابل ظل العالم صامتا حيال الفظاعات التي يرتكبها المتطرفون اليهود بتحريض ودعم مباشر وغير مباشر من تنظيماتهم الدينية، وتواطؤ مكشوف من حكومتهم. فهل الإرهاب يختلف؟ وهل إرهاب المسلمين متوحش وإرهاب اليهود معتدل ولطيف؟ لقد نام العالم كعادته فيما يخص القضية الفلسطينية وغرق في سباته حتى وجد نفسه أمام حادثة إضرام النار في منزل بأكمله وحرق رضيع حتى الموت وجعل أبويه في حالة الخطورة الكاملة. الآن فقط، تعالت الأصوات، وبدأنا نلمس هذا التغير المفاجئ في التعامل الإعلامي والسياسي مع الوضع؛ وذلك بتسمية الأمور بمسمياتها “إرهاب المستوطنين”. وادعت السلطات هناك أنها لن تتساهل في المسألة.
إنه من الأجدر، إذا تسمت الأمور بمسمياتها، ونعتت تلك الفظائع بالإرهاب، فمن اللازم ومن الواجب الأخلاقي والقانوني ان يتبع ذلك، تعامل صارم مع “الإرهاب اليهودي” بنفس الحزم والقوة في التعامل مع “الإرهاب الإسلامي”. وآنذاك سيعلم الجميع أن الكل يحارب الإرهاب، وأن الجميع ينخرط في ذلك حتى لا نسقط في التمييز بين إرهابين أو أكثر. فالإرهاب ليس له وطن ولا دين ولا عرق. لكني وبطابعي التشاؤمي الذي رسخته التجارب والأمثلة، لا أرى شيئا من ذلك سيحصل، بل إن الدولة العبرية ومن فظاعة الجريمة تحني الرأس للعاصفة، حتى لا تدع مجالا لـ”الإرهاب الإسلامي” حسب رؤيتها يقوم بالرد على إرهابها.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ