ماذا جرى، بقلم محمد والضحى : باحث في الموارد البشرية

اقترحت الحكومات المتوالية مند نهاية التسعينات من القرن الماضي مجموعة من الإجراءات للجواب عن سؤال بشان كيفية الملائمة بين تقديم خدمات ذات جودة وإجراءات تقليص عدد الموظفين وكذا تغيير بيئة الموظفين لتأهيلهم للعمل على خدمة المواطنين . إن الجواب عن هذا السؤال، يعني الإقرار بالواقع المر ، فضمان خدمات جيدة للمترفق يتعين ان يتلقى الموظف نفسه خدمات ذات جودة من الإدارة التي يعمل بها ، ومنها تحسيسه بأهمية وجوده داخل المرفق العمومي والتنصيص على معيار الكفاءة للاستفادة من عروض الترقية والعمل في نفس الوقت على المعايير السابقة التي لم تستطع الوصول إلى صناعة موظف نموذجي .
إن المشكل الحالي للوظيفة العمومية المغربية انه يرجع مشكل الجودة بالقطاع العام ، على أساس انه مشكل صغار الموظفين وإجراءات إ دارية معقدة، في حين يتعين الاعتراف بأن المشكل أكبر من ذلك ، فهو مشكل وظيفة عمومية عليا ومشكل أحزاب سياسية ودواوين وزارية ومشكل نقابات ومشكل هياكل ومساطر .
إن شروط استنساخ نماذج من الوظيفة العمومية الناجحة وتطبيقها في البيئة المغربية غير متوفرة ، وحتى في حالة وجود بعضها فستطرح دائما تلك الصعوبة التي تجعل قضية نقل أو استيراد نماذج محفوفة بمخاطر التأقلم، وبالتالي فإن العمل على إقرار وظيفة عمومية داخل النموذج المغربي الذي لايخلو من الإيجابيات والذي يتعين على المغرب الراهن ان يطور بعض قواعده ويصحح بعض اختلالاته. فالإدارة أصبحت مطالبة في الخطاب الرسمي السياسي بتغيير سلوكها اتجاه المواطن، باعتباره موضوعا محوريا للحقوق السياسية والاجتماعية. وما يميز المرحلة الراهنة انسجام المواقف المتعارضة حينما تكون الإدارة هي المستهدفة بالتنديد، بل إن الأمر وصل الى درجات من التوافق لم يكن من الممكن تصوره سابقا، حيث صار المندد بالإدارة هو المشرف سياسيا على الإدارة ، وأضحى من الصعب التمييز في نفس الخطاب بين من يمتلك السلطة ومن يعارضها ، ذلك أن موضة العصر الحالي عند ممارسة السلطة لم تعد تفرض ذكر الإيجابيات فقط، بل صار من البديهيات أن يصدر التنديد عن السلطة نفسها.
إن اتهام الإدارة العمومية من منطلق أنها مكلفة وغير منتجة وبطيئة ولاتحكمها معايير الجودة والمساواة في تقديم الخدمات واستجابة لمطالب المرتفقين ، هو في نهاية الأمر تحويل الأذى الناتج عن تقاليد التنديد العام، ذلك أن التنديد بشخص معنوي افتراضي ومجرد كفيل بتجنب المرحلة الراهنة للخوض في تفاصيل مظاهر الإعاقة والتشهير بالشخص الطبيعي المسؤول عن هذه الاختلالات. فبتفويض من السياسي ، يندد الاقتصاديون بالإدارة العمومية باعتبارها أول ممتص للنفقات العمومية، وبهذا التطرق يحاول هؤلاء الاقتصاديون السياسيون أن يتناسا الموطنون العاديون تلك الحقيقة الثابتة التي كونوها عن الإدارة العمومية بوضعها المشغل الأمثل والممتص لصدمات أزمة البطالة، ولكنه في الواقع يحاول التضليل عن قضية ترتبط بالتشغيل أساسا ، في واقع لايزال القطاع الخاص غير مؤهل ، كما هو مطلوب منه، لاستيعاب كل مخرجات التعليم بشكلها الحالي. إن عمليات التركيز على معطيات بعينها حسب استراتجيات معينة، لا يمكن أن يغيب بالمرة مجموعة من الأسئلة المحرجة أمام تراجع الإدارة العمومية خلال 30 سنة الاخيرة عن استيعاب مختلف مستويات التعليم وتخصصاتها ولا سيما الدنيا منها ، فمن سيقوم بدورها؟.