نسافر بكم اليوم خياليا إلى جزيرة غاية في الجمال بالمحيط الهادئ؛ وسأوضح لكم لماذا السفر بالخيال بعد قليل، لكن تعالوا نتعرف أولا على الجزيرة. إنها تسمى جزيرة كويام (Guam)، توجد بالشمال الشرقي للمحيط الهادئ في اتجاه سواحل الولايات المتحدة الأمريكية. قد يتخيل المرء تلك الجزيرة على منوال باقي الجزر مثل هايتي حيث الأشجار الخلابة والشلالات الصاخبة والهادئة وسواحل الرمال الذهبية والشمس المشرقة والطيور المزركشة. لقد كان الأمر هكذا في الأول، لكن ومنذ ما قبل نحو 40 سنة، تسرب نوع من الأفاعي من إحدى السفن الحربية إلى تلك الجزيرة، ومنذ ذلك الوقت وهذه الزواحف التي يتجاوز طول البالغة منها مترين تتوالد بكثافة إلى أن أصبحت أعدادها اليوم تتجاوز المليونين من الأفاعي، هذا هو السبب الذي جعلني أرحل بكم “خياليا” إلى هناك. تصوروا معي جزيرة صغيرة بطول لا يزيد عن 50 كيلومتر يتقاسمها عدد قليل من السكان البشر 75000 نسمة مع مليونين من الأفاعي. ستقولون وكيف للإنسان أن يطمئن هناك ويعيش؟ الغريب أن هذا الصنف من الأفاعي المسمى Boiga irregularis لايشكل خطرا على الإنسان البالغ ذي صحة جيدة إذا فالاحتياط يهم الصغار والمرضى. لكن السكان دأبوا على اتخاذ احتياطاتهم مع ذلك بنصب فخاخ لها وتحصين مساكنهم. فهذه الأفاعي تتسلق الأعمدة الكهربائية وتتسبب في قطع التيار. لكن مكانها المفضل هو أعالي الأشجار ومن هنا الخطر الذي تشكله والذي يكتسي طبيعة بيئية حيث أن هذه الزواحف، ونظرا لمتطلباتها الغذائية المتزايدة أدت إلى القضاء التام على 10 أصناف من أصل 12 مكون للحياة الحيوانية التي تعيش هناك. ونقصد بها الطيور (حيث تاكل ما تصطاده منها وتهاجم الأعشاش لتبتلع بيضها) وكذا الفئران والوطاويط. وأصبح في حكم المؤكد أن الأفاعي تهدد السلامة والتوازن البيئيين في تلك الجزيرة؛ حيث أصبحت أصوات الطيور منعدمة تماما. وقد أدى ذلك إلى أن يتحرك البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية) لتشن حربا لاتقل في استراتيجيتها عما تقوم به في الحروب العادية. وتتمثل هذه الحرب التي انطلقت منذ عامين في إلقاء فئران ميتة بعد أن يتم حشوها بمادة باراسيتامول التي تشكل مادة ذات حساسية كبرى للأفاعي وتقتلها. ونظرا لتخوفها أن تتعرض باقي آكلات الفئران والجيف في الجزيرة لخطر أكل الفئران الملقاة، فإن الأمريكيين عمدوا إلى إسقاطها بواسطة مظلات صغيرة عبارات عن جزيئات كارتون مزودة بخيوط ثوب لتمسكها أغصان الأشجار فلا تسقط في الأرض وتجدها الأفاعي. وقد وصل عدد الفئران التي أسقطت بتلك الطريقة أكثر من 20000. وإضافة إلى ذلك تم تنصيب 3400 من الفخاخ المزودة بالطعم والتي بفضلها يلقى القبض على 10000 منها سنويا.

 

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ