هل نقول إن السيد عبد الإله بنكيران فاجأنا بموقفه “الحديدي” والجاف حين قال بأنه سيمضي وحده في تنفيذ خطته فيما أسماه “إصلاح” الصندوق المغربي للتقاعد؟! الحقيقة أنه لم نعد نتفاجأ من مثل هذه المواقف والقرارات الغريبة المعاكسة لتوجهات الشعب الذي حملته أصواته إلى المكانة التي هو عليها الآن. لكن الغريب الممزوج بالعمى الاستراتيجي يتجلى في شيئين:
ـ الأول: هو ذلك التحالف الهجين غير المعلن بين بعض المنابر الإعلامية “ديال البارح”، والمشاريع “الخرقاء” للحكومة فيما يشبه تبنيها لها بل والدعاية الخفية ـ المكشوفة لها في تعارض تام مع مصالح الشعب التي من المفروض أنها الناطقة بلسان همومه؛
ـ الثاني: والأكثر إيلاما هو هذا الاستفراد بالرأي والدكتاتورية الفجة التي ينتهجها السيد رئيس الحكومة، خصوصا في قراراته الأخيرة، وأحاديثه التي تحمل دائما صفة تحدي الرأي العام الشعبي والهيئات التي تمثله. لقد صرح السيد بنكيران أنه سيمضي في “الإصلاح” مهما كان الثمن!! وليسمح لنا سيادته بإتمام معنى عبارته: “واللي ما عجبو حال يشرب البحر”. وكما يعلم الجميع فقد جاءت هذه التصريحات الفظة بعيد استقباله للنقابات الأكثر تمثيلية والتي أعلنت مواقفها الرافضة للمشروع الحكومي انطلاقا من واجبها الأخلاقي تجاه من تمثلهم من الأجراء. وليدعنا السيد رئيس الحكومة نطرح التساؤلات التالية: إذا كنتم ستنفذون مشروعكم الأحادي الجانب، فلماذا استدعيتم النقابات لمكتبكم فرادى؟ هل لتكرسوا معها نهجكم الديكتاتوري من باب: “أطلعكم على مشروعي وأنفذه بكم أو بدونكم !!” أليس في ذلك ضحكا على هذه النقابات واستخفافا بمكانتها وتحقيرا لدورها في المجتمع؟ ! ثم إذا كنتم ستنفذون مشروعكم بقوة القهر فلماذا تدعونها للاجتماع بكم أصلا؟! ومن جهة أخرى، ألا تعني لكم مؤسسة الحوار الاجتماعي شيئا؟ هذه المؤسسة التي تم إقرارها خلال الأيام الصعبة في المغرب؛ أيام الوزير القوي في المحيط السلطاني، ادريس البصري. فلا شك أنكم تعرفون جيدا النفق الذي مرت منه حقوق الإنسان والظروف الصعبة التي كانت تعرفها السياسة الداخلية في بلادنا حينئذ، ومع ذلك أحدثت آنذاك مؤسسة الحوار الاجتماعي، ولعبت دورها في تكريس السلم الاجتماعي، ثم تأتون أنتم من خلفية تقول أنها من الحريصين على تنفيذ أمر الواحد القهار: “وأمرهم شورى بينهم” و “فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر” صدق الله العظيم، لتتنكروا لكل ذلك، وتلغوا عمليا دور مؤسسة الحوار الاجتماعي، وتسبحوا في تيار يعادي مصالح غالبية الشعب الذي وضع ثقته فيكم؟

وأخيرا وأولا؛ كيف سمحتم لنفسكم أن تنعتوا مشروعكم بكلمة “إصلاح”؟! إن هذا هو الضلال والتضليل بعينه، فالمعروف أن الشيء لا يسمى إصلاحا إلا إذا حاز على رضى غالبية المقصودين بذلكم المشروع؛ والواقع أن الأمر يعاكس ذلك تماما. فكلمة “الإصلاح” ليست إلا عندكم بحكم امتلاككم لقوة القرار. أما مكونات الشعب وتنظيماته التمثيلية فقد أعلنتها صريحة مدوية بأنكم بإصراركم على تنفيذ مشروعكم من جانب واحد، فإن ذلك لايعدو أن يكون إفسادا لحياتهم وتأثيرا سيئا على استقرارهم الاجتماعي. فإذا كنتم تتشبتون برأيكم الأحادي وتنعتون مشروعكم بالإصلاح، فقد سبق لفرعون أن كان في نفس الوضعية؛ أي فرض الرأي الشخصي بالقوة والقهر وادعاء الإصلاح؛ أذكركم بقول الله عز وجل: “قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَاد”.

يا سيادة رئيس الحكومة، إنكم مسؤولون أمام الملك وأمام الشعب وأولا وأخيرا أمام ملك الملوك الواحد الديان. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد.

 

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ