دخلت الدولة التركية أمس رسميا الحرب المباشرة على “الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروفة اختصارا بــ داعش”. فقد قامت طائرات إف 16 التابعة لسلاح الجو التركي بشن غارات على مواقع لهذا التنظيم المتشدد داخل التراب السوري، لكن الوزير الأول التركي أحمد داوود أوغلو صرح أن القوات التركية لم تخرق المجال الجوي ولا الأرضي للدولة السورية. وكيفما كان الحال، فتركيا الآن أعلنت وشرعت في المشاركة المباشرة في الحرب. مما يعتبر تحولا جذريا في موقف الأخيرة التي ظلت طوال هذه المدة من المواجهة تنأى بنفسها عن هذه الحرب. فما الذي جعلها تتخذ هذا الموقف الاستراتيجي؟ وما أبعاد ذلك على الحرب الدائرة وعلى المنطقة ككل؟

يقترن الموقف التركي بظرفية سياسية معينة وبطارئ مستجد. فأما الظرفية السياسية فتتمثل في الحرج الكبير الذي تشعر به حكومة تركيا لكون كل القوى في المنطقة منخرطة في هذه الحرب لاستئصال هذا التنظيم المغالي في التشدد والتطرف، بداية من الأطراف الشيعية الإيرانية والعراقية والسورية، مرورا على الدول السنية مشرقا ومغربا، ووصولا إلى الدول الغربية غير الإسلامية، فلماذا تشكل تركيا الاستثناء وهي الدولة السنية القوية العضو في حلف شمال الأطلسي؟! يرى المحللون أن تركيا تقوم بحساباتها الداخلية في هذا الموضوع؛ ذلك أن حكومة حزب العدالة والتنمية هناك، تخشى من فقدان الكثير من الدعم الشعبي إذا دخلت المواجهة للاعتبارات التالية:

ـ الخسائر المحتملة ميدانيا، والخشية من تعدد التلى والجرحى، خصوصا أن تركيا تقوم بحرب فعلية ضد تنظيمات كردية عاخل وخارج أراضيها؛
ـ التخوف من اندلاع انفجارات وأعمال عنف لكون تركيا تحتضن آلاف الأشخاص القادمين من مختلف أنحاء العالم بهدفهم المعلن المتجلي في المشاركة إلى جانب القوى الساعية إلى الإطاحة بالنظام الحاكم في سوريا. لكن عددا لايستهان منهم ينخرطون في تنظيمات إسلامية مختلفة ومنها تنظيم “داعش”؛ إذن فهم بمثابة ما يشبه قنبلة غير مؤقتة قابلة للانفجار في أية لحظة؛
ـ الخشية من تكاليف الحرب من الجانب الاقتصادي، خصوصا وأن حزب العدالة والتنمية الذي يقود الحكومة، يعتمد في شعبيته على النتائج الجيدة التي حققها في المجال الاقتصادي أدت إلى إنهاء ديون تركيا وتحقيق أرقام مرضية جعلت تركيا تتبوأ مكانة جيدة في الاقتصادات الناشئة؛
ـ الحرص على صيانة سمعة الدولة التركية كبلد آمن ومقصد كبير في الأنشطة السياحية. فإذا أصبح التراب التركي غير آمن فستخسر تركيا سمعتها السياحية ومن وراء ذلك ثروة هائلة من العملة الصعبة ومعها ضياع عدد كبير من مناصب الشغل؛
وأما الطارئ المستجد الذي دفع تركيا للدخول المباشر في الحرب، فهو ما حدث من هجوم “جهادي” تابع لتنظيم “داعش” على أحد المواقع العسكرية التركية مما أودى بحياة ضابط وجرح عسكريين اثنين. وبهذا المستجد فقد أصبحت تركيا في موقف المثل القائل: “مضطر أخاك لابطل”، بحيث أن الحكومة التركية لم يعد لها من خيار سوى الدخول المباشر في الحرب وإلا سينظر إليها الشعب كحكومة عاجزة عن حماية مواطنيها؛ وبالتالي ستفقد مصداقيتها ومعها تفقد هيبة الدولة مقارنة مع حجمها وقوتها.
والآن، ماهي الاحتمالات الممكن ترتبها عن هذه المشاركة الميدانية؟ من المعروف أن تنظيم “داعش” كان محاصرا من كل الاتجاهات ماعدا الواجهة التي تضم الحدود التركية السورية، وذلك للاعتبارات التي سبقت الإشارة إليها من كون السلطات التركية تغض الطرف ولا تشدد في مراقبة حدودها لتسهيل مرور المقاتلين الذين يحاربون النظام السوري. أما الآن، فستعمد تركيا إلى إقفالها وتشديد الحصار والبحث عن العناصر الداعشية لاستئصالها. وهكذا يفقد التنظيم المتطرف أحد المنافذ والمتنفسات القليلة المتاحة له، وبطبيعة الحال فسيفقد جراء ذلك دعما هاما مما سيساهم في تغيير موازين القوى ضده.
وعلاوة على ذلك، فقد أعلنت تركيا عن السماح للطائرات الأمريكية باستعمال كل قواعدها العسكرية، وخاصة قاعدة أجرليك الاستراتيجية لضرب التنظيم، وهذا ما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تطالب به تركيا بإلحاح منذ مدة طويلة دون إقناع. واستغلال القوات الأمريكية للمجال الأرضي والجوي التركي سيكون بمثابة المنعطف الذي سيؤثر كثيرا على مجريات الحرب، وسيجعل مستقبل التنظيم المتطرف أكثر غموضا من توجهاته المتشددة العنيفة، مما يؤدي في الأخير إلى تقليص جذري لمساحة تواجده ولو بعد مدة.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ