ماذا جرى، تقرير خاص
تنبيه للقراء الكرام: نعيد نشر هذا التحليل لأهميته ولكونه تضمن أخطاء مطبعية كثيرة تم تصحيحها في النسخة أسفله.
مقال لافت للانتباه وتحليل ذو توجهات وخلفيات متعددة، ذاك الذي فاجأ به الصحفي توفيق بوعشرين قراء جريدته والمهتمين بالشأن السياسي، بحيث ذهب إلى حدود التنبؤ بكل السنياريوهات المحتملة لفترة ما بعد الانتخابات المقبلة، ومنها قيادة محتملة لحزب التجمع الوطني للأحرار للحكومة المقبلة مع الاحتفاظ بحزب العدالة والتنمية في التآلف لأن “الدولة العميقة” في رأي بوعشرين “أكلت حزب العدالة والتنمية لكنها لم تبلعه.
يبدأ مدير “أخبار اليوم” تحليله الذي عنونه ب”السيناريو الأزرق لما بعد 2016″، بما سماه موسم الهجرة الجماعية للأعيان نحو حزب التجمع الوطني للأحرار، وهي بداية تستحضر الصورة الروائية للكاتب السوداني الطيب صالح في روايته “موسم الهجرة إلى الشمال” وتسقطه على الفعل السياسي في المغرب، ثم يخبرنا أن عددا من الأعيان حجوا إلى حزب الأحرار وهم حسب التسميات الواردة في المقال: حسن الدرهم وسعيد شباعتو و عبد القادر تاتو وعبد الكبير برقية و أسماء الشعبي…
إذن فمفهوم السيناريو الأزرق أو القبلة الزرقاء عند هؤلاء اللاهثين هو صناعة مخزنية نحو تشكيل وجهة مستقبلية تحدد وجهة وجهائها، “وهذا النزوح جزء من التحضيرات القبلية للرجوع إلى سيناريو 2011، ومحاولة للقيام بعملية “دوباج” قوية لنادي الأعيان بغية الفوز في الانتخابات الجماعية والتشريعية المقبلة”.
ويفسر بوعشرين رغبة المخزن في الاحتفاظ بحزب العدالة والتنمية بكونه “حزب مازال في بندقيته الكثير من الذخيرة، لأن إبعاد المصباح إلى المعارضة خطر على التوازنات الهشة في المغرب، لكن في الوقت نفسه فإن التدخل الخشن من أجل إضعافه في الانتخابات عن طريق الإدارة، كما وقع في 2009، خطر على استقرار المغرب والصورة التي يريد أن يسوقها النظام عن نفسه”.
تحليل ينطوي على مفهومين أو رسالتين موجهتان إلى من يهمه الأمر: أولهما التحذير، وثانيهما التهديد؛ وهما معا يصبان في نفس الاتجاه، ونحو نفس الهدف. لكن الرسالتين الإنذاريتين تدفعان نحو طرح سؤال واضح؛ وهو: هل هاتين الرسالتين من بنات أفكاره أم أنه كلف بنقلهما إلى من يهمه الأمر؟.
والجواب واضح ايضا للعيان، وهو ان بوعشرين سبق أن تم تنصيبه مدافعا ذكيا عن حزب العدالة والتنمية، لكنه رفض أن يكون ناطقا باسم هذا الحزب الذي يملك جريدته الناطقة باسمه وباسم الحركة الموجودة تحت لوائه.
فمدير “أخبار اليوم” ، بحكم موقعه في المشهد الإعلامي المغربي، لا ينقل النصوص الكاملة للرسائل الموجهة من الحزب على من يسميهم بوعشرين “اجهزة المخزن العميق” ، ولكنه ينقل الأفكار التاكتيكية والتوجهات المرحلية، وبالتالي فهو ليس سفيرا رسميا بل سفيرا فوق العادة لحزب بذل كل ما في جهده من أجل الاستقرار في الكرسي، مهما كلفه ذلك من تنازلات بما في ذلك ضياع شعبيته التي كان يعتبرها راسماله القوي.
لكن سفيرنا الإعلامي والسياسي له مؤشرات أخرى لاستشراف المرحلة المقبلة المؤشر ومنها “الإعلان المسبق لحزب الأحرار عن تحالفه مع أحزاب الأغلبية للظفر بعمادات المدن الكبرى ورئاسة الجهات المهمة، مستغلا وجوده في الموقع الحكومي الذي يعطي الحزب إمكانات لا تتيحها المعارضة”.
وانطلاقا من هذا المؤشر يكشف لنا كاتب العمود اليومي للجريدة “أخبار اليوم” عما معناه ان حزب االحمامة الزرقاء يتوجس خفية من حزب البام أو بالأحرى من إلياس العماري؛ الزعيم الحقيقي حاليا للبام، في كل تحركاته السياسية والتاكتيكية ولذلك ” بقي ‘‘الأحرار’’ مترددا في إعلان هذا التحالف مخافة إغضاب حزب البام إلى آخر لحظة، حيث استوت الطبخة وجرى الحسم في إعداد وتجهيز الأحرار للعب الدور الأهم بإسناد باقي الأحزاب الأخرى، وخاصة بام إلياس العمري واستقلال شباط اللذين سيتكفلان بمناوشة العدالة والتنمية وإلهائه، وحتى إنهاكه، في حروب سياسية وإعلامية من هنا إلى موعد الانتخابات التشريعية بعد أن يجرب الجميع «البروفة» الأولى في الانتخابات الجماعية”.
حقيقة أن هذه القراءة ذكية وممكنة لأنها استحضرت كل ما يمكن فعله سياسيا لدخول المرحلة المقبلة أمام الضعف الكبير لأحزاب المشهد السياسي، والصراع الداخلي لأغلب الأحزاب المعول عليها، وغياب حزب قوي لمواجهة العدالة والتنمية او بديل لشغل منصبه، لكن طرح هذه التوجهات من طرف جريدة تتعاطف كثيرا مع حزب “المصباح” يجعلنا ندخلها مباشرة لجهاز فك الشفرات.
ومع ذلك، فمحبرة بوعشرين لم تنضب من مدادها، ليمدنا بمؤشرات أخرى يقوي به حجته ويدعم به تنبؤاته، وهذه المرة إخباري وهو اجتماع “صلاح الدين مزوار، يوم الخميس الماضي في حي كاليفورنيا الراقي بالبيضاء، مع أغنياء المدينة ورجال أعمالها، حيث تحدث مزوار كرئيس حزب مقبل على قيادة الحكومة المقبلة، وبعث رسائل الطمأنة إلى قشدة المجتمع التي أصبحت خائفة على نمط عيشها وعيش بناتها بعد أحداث الصاية ومثلي فاس..”.
لكن هل ستنجح هذه السيناريوهات رغم قوتها الاحتمالية؟ لقد أجاب بوعشرين بما يجيب به كل قارئ غير واثق من قراءته:”الله أعلم”.
نحن أيضا نرددها معه دون ان نستبق الأحداث، خاصة أن الذين ينعتهم بوعشرين بأعوان الدولة العميقة جربوا عدة وصفات حزبية وسياسية فووجهوا بخيبات أمل لسبب أو لآخر، لكن أمن البلاد واستقرارها ظل هو الورقة الرابحة بامتياز.