موقف اليوم: النوادر والطرائف في رمضان: الخلاصات والأدبيات

في حلقة اليوم نستعرض موقفا طريفا بمثابة درس بليغ في هذا الشهر الكريم الذي نقوم بتوديعه بعد سويعات قليلة متنمنين للجميع صوما مقبولا، وذنبا مغفورا، وصحة موفورة.

وخلاصة الموقف، أن أحد الحكام المسلمين دعا ثلة من الأدباء والشعراء بعد صلاة عصر أحد الأيام في رمضان، وذلك قصد الاستماع إلى أقوالهم وشعرهم الخفيف لتزجية الوقت وانتظار ساعة الإفطار. وكان هذا الحاكم ظالما مستبدا، فأراد واحد من الشعراء الحاضرين إيصال رسالة إلى الحاكم دون أن يتعرض للانتقام. فحكى للحاكم قصة رجل سليط يعذب حيواناته، فأنطقها الله في أحد أيام شهر رمضان. فقال الحمار: “إن هذا الرجل يصوم بإكراه ويؤخر عنا العلف واللعيق حتى يجعلنا صائمين نحن كذلك”. كان كل حيوان يتكلم بدوره عن مساوئ هذا الرجل وعن تجربته ومعاناته معه، والرجل يستمع غير بعيد منهم. وفي الأخير عهدوا إلى الديك أن يعد خلاصة جامعة لكل ذلك، فأنشد هذين البيتين الشعريين:

يا ذا الذي صام عن الطعـام   ***   ليتك صمت عــن الظــلــــم
هل ينفع الصوم امرؤ طالما   ***   أحشاؤه مــلأى مــن الإثــم

فأدرك الحاكم الظالم أنه المقصود بهذه الحكاية، لكن الطبع يغلب التطبع، فما كان منه إلا أمسك الديك ونتف ريشه، وألقاه وسط الحيوانات. فصاح من الألم: “لقد أرغمنا الرجل على صيام الأكل وهاهو ذا يرغمني على صيام الكسوة!!”.

الخلاصة أو الحكمة: وبعد. فقد خصصنا حلقة لكل يوم من أيام الشهر الفضيل لجانب الضحك والمزاح والمواقف الطريفة التي يحفل بها تاريخ المسلمين. أود أن أختم هذه الحلقات بمختصر مفيد من الأدبيات الواجب التحلي بها عند الخوض في المزاح والضحك، حتى لا يتحول إلى إثم وذنب. ومنها:

ـ   ألا يكون فيه شيء من الاستهزاء بالدين: لكون ذلك يمس روح العقيدة لدى المسلم. قال الله تعالى: ولَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وآيَاتِهِ ورَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ. قال ابن عـبـاس ـ رضي الله عنهما: “من أذنـب ذنـبــاً وهــو يضحـك دخل النار وهو يبكي”.؛

ـ ألا يكون المزاح إلا صدقاً: ولا سيما أولئك المعتادين على ذكر الطرائف الكاذبة بقصد إضحاك الناس. فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: “إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليُضحِك بها جلساءه يهوي بها في النار أبعد من الثريا”؛

ـ ألا يتضمن سخرية واستهزاء بالآخرين: فذلك محرم قطعا. يقول الله تعالى “يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُـونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ ولا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ولا تَنَابَزُوا بِالأَلْـقَــــابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ ومَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”؛ والرسول صلى الله عليه وسلم قال: “إن المستهزئين بالـنـاس لَـيُفْـتَـحُ لأحـــدهم باب الجنة فيقال: هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أُغلق دونه”؛

ـ عدم الانهماك والاسترسال والمبالغة والإطالة: إن الجد من سـمات المسلمين، وليس المزاح إلا رخصة وفسحة لاستمرار النفس في أداء واجبها. فبعض الناس لا يفرق بين وقت الجد واللعب؛

ـ أن يُنْزِل الناس منازلهم: وذلك باحترام كبار السن وتقدير العلماء و بتوقير الغرباء؛

ـ ألا يكون مع السفهاء: قال سعد بن أبي وقاص لابنه: “اقتصد في مزاحك؛ فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرِّئ عليك السفهاء”؛

ـ ألا يكون فيه غيبة: والغيبة والنميمة وجهان لعملة واحدة. فقبل التحدث، يجب على الإنسان أن يعي تعريف النبي صلى الله عليه وسلم للغيبة بقوله: “ذكرك أخاك بما يكره.

أسأل الله للجميع صوما متقبلا، وعيدكم مبارك سعيد أعاده الله عليكم باليمن والبركات. وكل عام وأنتم بخير.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ