ماذا جرى، بقلم محمد والضحى : باحث في الموارد البشرية

تعاني العديد من الإدارات العمومية من غياب سجل لتاريخ تجاربها بسبب غياب لذاكرة لديها. والكل يتذكر، انه بعد عملية المغادرة الطوعية لسنة 2005 عانت العديد من الإدارات العمومية ولا سيما التعليم والصحة و… من تدهور خطير في نوعية وجودة الخدمات التي يستفيد منها المواطن بسبب ذهاب العديد من أصحاب الخبرة والمهارة، بالرغم من توفر موارد بشرية بهذه الإدارات،إذن أين الخلل؟
الخلل أيها السادة، أن الإدارة مثلها مثل الإنسان، إذ بمجرد مغادرة أي موظف لأسلاك إدارته تغادر معه تجارب وخبرات ومهارات، كان يختزنها بذاكرته، ويزداد المشكل استفحالا عندما نعرف أن العديد من موظفينا لا يقرؤون إلا قليلا أما التدوين فلا حديث عنه .
ونستنتج مما سبق ذكره، أن للإدارة ذاكرة، لكن ذاكرتها ليست مرتبطة بأشياء عضوية يمكن التحكم فيها كما هو الحال بالنسبة للانسان. فذاكرتها تتجسد في تدوين بياناتها والمعلومات المتوفرة عليها. وإننا ندرك جيدا أن لكل وحدة إدارية أهدافا مبرمجة لتحقيقها من خلال الإمكانيات المتوفرة لديها، ونعلم جيدا أن الفاعل الأساسي في العملية برمتها هم الموظفين. وبما ان هذا الكائن يخضع لقواعد وحركيات خلال مساره المهني حيث ينتقل من إدارة إلى أخرى أو يغادر الأسلاك الإدارية بالتقاعد أو الاستقالة، مما يفرض على الإدارة السهر على استمرار أداء خدماتها تطبيقا لمبدأ استمرارية المرفق العام. وان عملية الحركية ينتج عنها وجوه جديدة وسريان دم جديد داخل المصلحة المعنية، لكن تظل الحاجة إلى ذاكرة إدارية يمكن استغلالها من حين لأخر، مما يمكن صانعو القرار من التوفر على كل المؤهلات ليكون سليما وموضوعيا ويستجيب لمقومات النجاح الذي ما أحوجنا إليه اليوم .
إن الإدارة إلى جانب أنها علم وفن، فهي أيضا مهارات تكتسب بالممارسة ولا تدرس بالجامعات والمدارس العليا،وهنا تذكرني التجربة الكندية فعندما كنا نخضع لدورات تدريبية بالمدرسة الوطنية للادارة تحت إشراف أساتذة كنديين، كانوا دائما في بداية هذه الدورات يؤكدون على تجاربهم المهنية أكثر من الشواهد المحصلين عليها، ولم يكن ذلك من باب العبث.
إن تدوين التجارب السابقة والمعارف المترتبة عنها والخبرات المكتسبة ليس سهلا كما يظن البعض، لكن الأصعب هو كيفية استغلالها وتطبيقها على أرضية الواقع في شكل قرارات تهم حياتنا الادارية والاقتصادية و… ممايتطلب من الإدارات العمومية ايلاء هذا المجال العناية اللازمة. ولأصحاب القرار وصانعوه تجارب ومحن وعبر…ولكم تحياتي والى اللقاء.