موقف اليوم: الأعمش : العالم المتنور والفكاهي الظريف

في موقف اليوم نتعرف على شخصية عالمة بفرائض الله، حافظة لكتابه وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ومع ذلك فله باع طويل في عالم الدعابة والطرافة. إنه المعروف بالأعمش. اسمه الكامل: سليمان بن مهران أبو محمد الأسدى الكاهلى، الملقب بالأعمش لعموشة عينيه. وكان مولده يوم عاشوراء في المحرم سنة ستين للهجرة، ونشأ بالكوفة. اعتبره مصنفو الطبقات من الطبقة الرابعة من التابعين؛ فقد أدرك جماعة من الصحابة وعاصرهم. وعاش الأعمش في الكوفة، وكان محدثها في زمانه. روى الأحاديث ونشر العلم. قال عنه الجاحظ: “والذين بثوا العلم في الدنيا أربعة، قتادة، والزهري، والأعمش، والكلبي.” وقال عنه سفيان بن عيينة: “سبق الأعمش أصحابه بخصال: كَانَ أقرأهم لكتاب الله، وأحفظهم للحديث، وأعلم بالفرائض”. بيد أن شخصيته معروفة بكونه ضجرا سريع القلق عسر الخلق. وقد عرف عنه الناس ذلك ويعترف بنفسه بذلك، وكان تلاميذه يحتملون هذه الصفة منه لما عنده من العلم.

ومن طرائفه:
-أتت ليلة الشك من رمضان، فكثر الناس على الأعمش يسألونه عن الصوم، فضجر ثم بعث إلى بيته ليرسلوا له رمانة فشقها، ووضعها بين يديه فكان إذا نظر إلى رجل قد أقبل يريد أن يسأله تناول حبة فأكلها، فكفى الرجل السؤال ونفسه الرد .

ـ قَالَ ابْن عَيَّاش: رأَيت عَلَى الاعمش فَرْوَة مَقْلُوبَة صوفها إِلَى خَارج، فأصابنا مطر فمررنا على كلب فَتنحّى الأعمش وَقَالَ: لَا يحسبنا شَاة!!.

– قال الأعمش لجليس له: أما تشتهي بناني (وهو نوع من السمك) زرق العيون، نقية البطون، سود الظهور، وأرغفة حارة لينة، وخلا حاذقا؟
قال : بلى. قال : فانهض.قال الرجل: فنهضت معه، ودخل منزله، فأومأ إليّ أن خذ تلك السلة. قال :فكشفها فإذا برغيفين يابسين، وسُكْرُجة كامخ وشِبَث، قال: فجعل يأكل فقال لي: تعال، كل، فقلت: وأين السمك؟! قال: ما عندي سمك إنما قلت لك: تشتهي ولم أقل أنك تأكل!!

ـ قال عيسى بن يونس: أتى الأعمش أضياف، فأخرج إليهم رغيفين فأكلوهما. فدخل فأخرج لهم نصف حبل قتّ  (القتّ: نوع من علف البهائم)، فوضعه على الطاولة، وقال: أكلتم قوت عيالي فهذا قوت شاتي فكلوه.

ـ ولبس مرة فرواً مقلوبا، فقال له قائل: يا أبا محمد لو لبستها وصوفها إلى داخل كان أدفأ لك. قال: كنت أشرت على الكبش بهذه المشورة .

ـ وعن الحسين بن واقد قال : قرأت على الأعمش فقلت له: كيف رأيت قراءتي؟ قال: ما قرأ عليّ علج أقرأ منك!

ـ وقال أبو حنيفة للأعمش وقد أتاه عائدًا له في مرضه: لولا أن أثقل عليك يا أبا محمد، لعدتك والله في كل يوم مرتين.فقال له الأعمش: والله يا ابن أخي، أنت ثقيل علي وأنت في بيتك، فكيف لو جئتني في بيتي كل يوم مرتين.

وكانت هذه الطريقة الفكاهية في تعامله مع الناس لا تستثني أفراد بيته. بل ربما تكون ابنته قد أخذت عن أبيها شيئا من تلك الطرافة. وهذا ما تجسده الواقعة التالية: فقد خرج الأعمش يوماً إلى أصحابه وهو يضحك، فقالوا له: ما ذاك يا أبا محمد؟ قال: طلبت بنتي مني حاجة، فحجبتها بالرد، فقالت: والله ما أعجبُ منك، ولكني أعجب من قوم زوجوك 5أي أعطوا ابنتهم لك زوجة)، ثم قالت لأمّها: يا أمّاه، لم تجدي أحداً تزوّجينه إلا هذا الأعمش؟!

ـ  قال الأعمش لابنه: اذهب فاشتر لنا حبلا يكون طوله ثلاثين ذراعا، فقال: في عرض كم يا أبتي؟ قال: في عرض مصيبتي فيك يا بني.

–  جرى بين الأعمش وبين زوجته كلام وخصام، وكان يأتيه رجل يقال له: أبو ليلى، مكفوف فصيح، فقال له الأعمش: يا أبا ليلى، امرأتي نشزت علي، وأنا أحب أن تدخل عليها فتخبرها مكانتي في الناس وموضعي عندهم، فدخل عليها، وكانت من أجمل أهل الكوفة فقال: يا هنتاه، إن الله قد أحسن قسمك، هذا سيدنا وشيخنا، عنه نأخذ أصل ديننا، وحلالنا وحرامنا، فلا يغرنك عموشة عينيه، ولا حموشة ساقيه، وَضعف ركبتَيه، وقَزَل رجلَيْهِ فغضب الأعمش وقال: يا أعمى يا خبيث.. أعمى الله قلبك كما أعمى عينيك قُم عَنَّا قّبحك الله فقد ذكرت لَهَا من عيوبي مَا لم تكن تعرفه!!..

الخلاصة أو الحكمة: الملاحظ أنه تم تناول بعض الشخصيات الإسلامية خلال أربع حلقات متتالية من هذه السلسلة. ويلاحظ أيضا أن هذه الشخصيات جمعت في مكوناتها بين العلم الغزير والدعابة المثيرة. هكذا يجب أن يكون الإنسان؛ مسلحا بالفكر والعلم لكن خفيف الروح والمخالطة في نفس الوقت. بهذه الخصائص يكسب الناس ويكسب مودتهم احترامهم . . وإلى اللقاء في حلقة الغد إنشاء الله.

 ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ