عبد العزيز الرماني

 

سبق للصحافة أن كتبت عن رغبة أعضاء من مجلس المستشارين ومسؤوليه توظيف أبنائهم في المجلس احتيالا على المساطر وضدا على الأخلاق وعلى احترام المسؤولية،بعد ذلك ذهبت الصحافة إلى حال سبيلها وغرق المستشارون في أسئلتهم الشفوية والكتابية وطويت الصفحة رغم أنها كارثة وفضيحة.

فإذا كانت الصحافة على صواب وجب الاعتذار لأبناء الشعب المغربي، وفتح فرص التنافس امام الجميع، وإذا كانت الصحافة خاطئة فمن حق المستشارين المعنيين مطالبة الصحافة بالاعتذار وذاك أضعف الإيمان.

فالأخلاق المهنية الإعلامية تقتضي ان تعتذر الصحافة كلما أخطأت، او تعتذر الجهات التي كتب حولها الخبر.

وقد روي أن جريدة فرنسية في عهد الرئيس “ديجول” شنت حملة على مجلس باريس البلدي، فكان مما قالته : أن نصف أعضاء المجلس لصوص.

فلما اعتزم المجلس مقاضاة الجريدة توسط البعض من كبار القوم في الصلح بينهما على أن تكتب الجريدة إعتذاراً عما نشرته، فقبلت الجريدة، ونشرت الاعتذار.

وكان اعتذار الجريدة على الشكل التالي: “قلنا بالأمس إن نصف أعضاء مجلس باريس لصوص، والحقيقة أن نصف أعضاء المجلس ليسوا لصوصا”.

وفي زمن سابق كثر فيه الهرج والمرج في بلدنا حول انتخاب رئيس الجامعة الوطنية لكرة القدم، شدني التاريخ إلى قصص جميلة كانت تروى حول مباريات كرة القدم في المغرب.

ومن هذه الحكايات ان لاعبا أصيب في رأسه أثناء مقابلة جمعت الجيش الملكي والوداد البيضاوي ربما في اوائل الستينيات، فقدمت له العلاجات الضرورية التي كانت عبارة عن “الدوا الاحمر والداجينة” وعاد إلى الملعب لاستكمال المباراة.

ظل اللاعب يلهث وراء الكرة ويلعب بكل ندية وإخلاص، وحين انتهت المقابلة خرج من الملعب منحني الرأس وكأن فريقه منهزم، فاعترض طريقه أحد المشجعين ليبارك له النصر، حينها استدرك اللاعب وعيه وسأل عن النتيجة، فعلم المدرب انه أصيب إصابة خطيرة في رأسه وانه كان يلعب بدون وعي، فتم نقله إلى المستشفى .

إنها قصة تأخذني في الحنين إلى صورة نشرتها جريدة العلم في اواسط الأربعينيات للاعب اسمه كبور.

طلب مني الاستاذ الراحل أحمد تفاسكا، المعروف في اوساط الإعلاميين، تهييء بحث عن الصورة الصحفية في الصحافة المغربية في الثلاثينيات والأربعينيات، قل أن تجد حينها صورة فوتوغرافية في الصحافة او في المطبوعات، إذ كانت الصورة المرسومة هي السائدة سواء تعلق الأمر بالإشهار أو الخبر.

لكن الصورة الفوتوغرافية للاعب البيضاوي “كبور” اختلفت عن كل الصور، فقد ظلت تلك الصورة والتعليق الذي كتب في أسفلها مرسومتين في ذاكرتي، وكأنهما منحوتتان على صخرة لا تهزمها عوامل التعرية.

كان اللاعب “كبور” أشعث الشعر، وكان يلبس لباسا رياضيا متواضعا، وحذاء يبدو انه قديم شيئا ما، وكانت عيناه مشدودتان إلى كرة تسبقه ببضع خطوات، وفي أسفل الصورة خط الصحفي كلمات طريفة بصيغة السجع “هاهو كبور،، يجري كالكلب المسعور”.

ويبدو أن السر الذي يكمن في الحكايتين هو تلك البراءة التي ما عاد أحد يلمسها اليوم في قميص او في حذاء، رغم أن قميص اليوم وحذاؤه يكلف عشرات الآلاف من الدراهم لكل لاعب.

اليوم يا أصدقائي وأحبائي أصيبت كرتنا بتخمة أثقلت تدحرجها، ومزق نعومتها اللاهثون وراء الجاه والمال والتسلط، كما يمزق المغتصبون عذرية فتاة لازالت تحلم بعناق والديها.

يروي الحارس الاسطوري المغربي الهزاز أنهم وهم عائدون على متن الطائرة سنة 1969 بعد مباراة جمعت المنتخب المغربي بمنتخب السينغال، برسم منافسات التأهيل لكأس العالم 1970، اهتزت الطائرة فأصيب كل اللاعبين بالذعر والخوف، واستحضر أغلبهم الموت فلا تكاد تسمع على متن الطائرة إلا الصراخ والعويل والدعاء.

وقف اللاعب الفيلالي”لاعب المولودية الوجدية” في وسط ممر الطائرة، وكانت ترتج بقوة، فقال لكل زملائه: “اسمعوا جميعا، أريد أن أقول لكم شيئا هاما، نحن في لحظة مصيرية تستدعي الهدوء والإنصات و”اللي عندو شي فلوس، أنا مستعد نوصلها لواليديه إلى بقيت عايش”.