بتوصلها إلى اتفاق بشأن حزمة انقاذ مالي ثالثة، مع قادة منطقة الأورو، تكون اليونان قد قطعت نصف الوادي للوصول إلى ضفة الاستقرار الاقتصادي وتجاوز الأزمة الكبيرة التي تتخبط فيها. لكن المكسب الأول الذي حققته الآن هو تفادي الخروج من نظام العملة الأوربية الموحدة “الأورو”. وفي المقابل هناك سؤال عريض يطرح: هل انتهت مشاكل اليونان بوجود هذا الاتفاق؟ من الأكيد أن الجواب ليس بالإيجاب، بل إن هناك في اليونان من يعتبر أن المشاكل الحقيقية ستطفو على السطح الآن.

ولعل أهم من يعيش الآن ظروفا صعبة هو رئيس الوزراء اليوناني أليكسي تسيبراس. ذلك أن الرجل نجح في الانتخابات التي أوصلته إلى الحكم بفضل شعاراته الرافضة لشروط قادة منطقة الأورو والتي اعتبرها مجحفة أيام حملته الانتخابية، ثم بدأ يتفاوض في شأنها بعد تعيينه ليستمر في نهجه الرافض لها وبصفة مسؤولة حين دعا إلى استفتاء شعبي يعبر فيها الشعب اليوناني عن موقفه. والكل يتذكر أن تسيبراس لم يقف موقف المحايد في الحملات الدعائية للاستفتاء، بل طالب بكيفية صريحة مواطنيه كي يتبنوا موقف الرفض لشروط منطقة الأورو. وهو ما استجاب له الشعب بأكثر من 60% من الأصوات.

الآن وقد عاد تسيبراس إلى قبول جملة من تلك الشروط، فقد وجد هذا المسؤول نفسه في وضعية تدعو إلى الشفقة. فالبرلمان اليوناني المدعو إلى التصويت على الاتفاق المتوصل إليه ليصبح ملزما، هذا البرلمان الذي كان يتمتع فيه تسيبراس بالأغلبية المريحة، أصبح منقسما، بل إن كثيرا من أعضائه المنتمين لحزب رئيس الوزراء أعلنوا صراحة عن عدم موافقتهم لشروط الاتفاق. وهذا قد يعني عدم حصول الموافقة البرلمانية رغم استعداد بعض الأحزاب اليمينية لمساندته، لكن تأثيرها يظل محدودا. مما يعني عدم إلزامية الدولة اليونانية ببنوده. وطبعا فإن ذلك يؤدي إلى استقالة الحكومة اليونانية وربما الدعوة إلى انتخابات جديدة. فهل معنى ذلك أن اليونان توجد في نفس الذي تحرك كثيرا دون أن يغادر مكانه، تماما مثل لقطة للرسوم المتحركة التي ظهر فيها Lucky luck يذرع غرفته ذهابا وإيابا وهو يفكر في حل لقضية غامضة، فما كان من كلبه الذي كان يلازمه في عملية الذهاب والإياب إلا أن قال: “لقد تمشينا كثيرا دون أن نصل إلى أي مكان”.

وأمام هذه الوضعية غير المستقرة للحكم في اليونان، سيعيش الشعب هناك مشاكل متزايدة في معاشه اليومي واستقرار بلده السياسي. وفي خضم هذه الظروف، فالأطراف الدائنة تستعجل الأمور لتحصيل مستحقات ديونها وفوائدها. فكيف سيتم ذلك في ظل الوضعية الاستثنائية لهذا البلد؟ هذه الوضعية الشبيهة بالحلقة المفرغة المتشكلة كالتالي: للحصول على مساعدات لابد من الشروع في أداء الديون، وللقيام بذلك لابد من إقرار خطط وإجراءات حكومية تقشفية، هذه الإجراءات يتوجب لها حكومة لتبنيها، هذه الحكومة يجب أن تنبثق من انتخابات تشريعية، كل طرف يريد الوصول إلى الحكم سيتفادى إعلان قبول شروط الدائنين التقشفية، وبدون قبول تلك الشروط فلا مساعدات؛ إذن فلا خروج من الأزمة !! أرأيتم لقد عدنا إلى نقطة الانطلاق. وهكذا يتضح أن الأزمة اليونانية، وبعد أن استهلكت الكثير من الوقت والجهد في اللقاءات والمفاوضات، تعود إلى وضعيتها الأولى. إذن فالمسلسل لا زال يعد بالمزيد المثير. ولا شك أن الأيام القادمة ستعرف الكثير من المستجدات الغريبة في بلاد تحكي الأعمدة والمجسمات في مواقعها التاريخية العديد من عجائب وغرائب الأساطير اليونانية القديمة.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ