موقف اليوم: القاضي الشعبي : الذاكرة الحادة، والسعة في العلم ودعابة في الحديث

في موقف اليوم نتعرف على شخصية متألقة في سماء القضاء الإسلامي؛ إنه العلامة الشعبي، واسمه الكامل: عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار أبو عمرو الهمداني الشعبي. ولاه الخليفة عمر بن عبد العزيز مهمة القضاء. وهو إمام من أئمة التابعين، أدرك ما يقرب من خمسين صحابياً، وكانت له حلقة عظيمة في وجود أكابر الصحابة رضي الله عنهم. وهذه بعض الشهادات في حقه من كبار العلماء والمحدثين: رآه عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما فقال: كأنه قد شاهد معنا (أي كأنه عايش معنا زمن النبوة)، ولهو أحفظ لها مني وأعلم. وعن أبي مجلز قال: ما رأيت فقيهاً أفقه من الشعبي. وقال مكحول: ما رأيت أعلم بسنة ماضية من الشعبي. وقال داود بن أبي هند: ما جالست أحداً أعلم من الشعبي.

أما هو شخصيا، فيقول عن نفسه، نقلا عن ابن شبرمة قال: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا (أي لم أقم يوما بكتابة شيء سمعته كي أتذكره من بعد، كناية عن قوة ذاكرته)، ولا حدثني أحد قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي (أي أني أحفظ أي شيء سمعته لمرة واحدة ودون حاجة لتكرار). وما سمعت منذ عشرين سنة رجلاً يحدث بحديث إلا أنا أعلم به منه، ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه رجل لكان به عالماً. وقال أيضا: ما أروي شيئاً أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهراً لا أعيد (أي دون تكرار معلومة واحدة).

فهذا الرجل، الذاكرة والعالم والقاضي، كان أيضا سريع البديهة، كثير الدعابة. وقد أشتهر بالظرف والنوادر حتى في الفتوى ومن نماذج طرافاته:

ـ ذكر رجل للشعبي حَدِيث النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم: تَسَحَّروُا وَلَو بأَن يَضَعَ أَحَدُكُم اصبعه عَلَى التُّراب ثُمَّ يَضَعَهَا فيِ فِيِه، فسأل رجل: أَيّ الْأَصَابِع؟ فَتَنَاول الشّعبِيّ إِبهام رجله وَقَالَ: هَذِه.

ـ وجاءه رجل وقال: اني تزوجت امرأة وجدتها عرجاء، فهل لي أن أردها..؟ فقال له: ان كنت تريد أن تسابق بها فافعل.!!

ـ وسأله آخر: هل يجوز للشخص المحرم (اللابس لثوب الإحرام) أن يحك بدنه..؟ أي يهرش – قال: نعم قال: مقدار كم..؟ قال: حتى يبدو العظم.!!

ـ ودخل الشعبي الحمام فرأى داود الأودي بلا مئزر فأغمض عينيه.. فقال له داود: متى عميت يا أبا عمرو؟ قال: منذ هتك الله سترك.!!

ـ وقيل للشعبي: هل تمرض الروح؟ قال: نعم من ظل الثقلاء.. قال بعض أصحابه: فمررت به يوما وهو يجلس بين شخصين ثقيلين فقلت: كيف الروح..؟ قال في النزع  .!! (أي في اللحظات الأخيرة قبل الموت.

ـ وحدث الشعبي يوما فقال: جلست مع شريح، القاضي، وجاءته امرأة تخاصم رجلا فأرسلت عينها تبكي فقلت: أبا أمية ما أظنها الا مظلومة؟ فقال: يا شعبي ان اخوة يوسف جاءوا أباهم عشاء يبكون.!!

الخلاصة أو الحكمة: مزح الشعبي يوما فقيل له يا أبا عمرو أتمزح قال : إن لم يكن هذا متنا من الغم. فعلا إن الدعابة والمزاح يبعثان الابتسامة والانشراح، لكن في حدود ما لايخدش كرامة الإنسان، أي أن لكل شيء حدود. قال أحدهم:

مازح صديقك ما أحب مزاحا       وتوق منه في المزاح مزاحا

فلربما مزح الصديق بمزحة        كانت لباب العداوة مفتاحــا

 

وقال آخر :
لا تمزحن فإذا مزحت فلا يكن     مزحا تضاف به إلى سوء الأدب
واحذر ممازحـة تعود عـــــداوة     إن المزاح على مقدمــة الغضب

. . وإلى اللقاء في حلقة الغد إنشاء الله.

 ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ