ماذا جرى،  بقلم محمد والضحى :  باحث في الموارد البشرية

منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي اشتد مطلب اعتماد التوقيت المستمر بالإدارات العمومية بين اكثر من جهة ، لتعدد مزاياه و سلبيات التوقيت السابق، بل تطور الأمر في بعض الأحيان إلى مطلب نقابي. وهذا ما دفع حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي منذ تعيينها إلى تكليف مكتب دراسات للقيام بدراسة جدوى التوقيت المستمر والآثار المترتبة عن تطبيقه، وتم الانتظار إلى غاية تاريخ 9 يونيو 2005، ليتم اعتماده بعدما تبين أن 90 بالمائة من موظفي الدولة يحبذون العمل بهذا التوقيت وان ذلك الإجراء سيساهم في ترشيد استهلاك الطاقة والمساعدة على تدبير الوقت.
ومهما يكن، فبعد 10 سنوات من تطبيق التوقيت المستمر ظهرت عدة اختلالات في طريقة تدبيره، مما يطرح مرة اخرى عدة تساؤلات، بشأن طبيعة التوقيت الذي يلائم بيئتنا وهل هناك اشكالات في نظام التوقيت المستمر بشكله الحالي ؟ وهل نمط هذا التوقيت هو الذي كان ينتظره الموظفون؟ أم أن الصيغة لم تكن ملائمة ؟ وهل فعلا وفر هذا التوقيت الوقت الثالث للموظفين كما روج لذلك مسبقا؟ وما اثاره على تربية ابناء الموظفين وصحتهم ؟ بكل تأكيد ، يكاد الجواب يكون بالنفي، ذلك أن إدارتنا فعلا في حاجة إلى توقيت مستمر لكن ربما ليس بهذا النمط ، فثماني ساعات داخل اسوار الإدارة أضف إليها ساعة إلى ساعتين كلفة توقيت الطريق وغياب الاجراءات المواكبة لا يؤدي بالمرة إلى الأهداف المرجوة منه .
يتذكر الكل انه عند بداية تطبيق هذا التوقيت، تم الحديث عن مجموعة من الإجراءات المصاحبة لإنجاحه وكان من أهمها ضرورة إحداث مقاصف داخل الإدارات وتوفير فضاءات مناسبة للموظفين، والنتيجة انه بالفعل تم فتح بعض هذه المقاصف في بعض الادارات – وان كان حاليا العديد منها أغلق لأسباب متعددة – غير أن العديد منها، إما انه لا يتوفر على المساحة الكافية أو انه لا يستجيب لمعايير الجودة والصحة والسلامة، مما يضطر العديد من الموظفين إلى الذهاب إلى منازلهم لتناول وجبة الغداء أو البحث عن مطاعم بعيدة عن مقرات عملهم.
ومن الإجراءات الأخرى التي تم تفعيل جزء كبير منها وعكس الاولى، قيام مجموعة من الإدارات باعتماد وسائل تقنية لمراقبة ضبط حضور الموظفين لتحقيق عدد ساعات العمل المطلوبة او بمعنى اخر لتحسين توقيتهم وهو اجراء محمود. ولقد تبث من خلال دراسات علمية أن مرودية الموظفين ليست مرهونة فقط بعدد ساعات العمل لتحقيق إنتاجية اكبر، ولكن ذلك يظل مرتبط بعدة عناصر أخرى، من بينها طرق العمل والتكوين والتحفيزات، وهذا ما يدعم مطلب إعادة النظر في مدة ساعات العمل، كما انه تبث بالملموس أن الفترة الصباحية تكون فيها مردودية الموظفين مرتفعة عكس الفترة المسائية.
فلا احد يمكنه ان ينكر ايجابيات التوقيت المستمر بصفة عامة على مستوى الطاقة والبيئة والاقتصاد و…، غير أن الإشكالات التي يطرحها تطبيقه ارتفعت حدتها أكثر مما كان متوقعا، ومن أهمها استفحال ظاهرة الغياب غير المبرر و… ، ومن خلال عملية تقييمية بعد هذه الفترة التجريبية وأمام تعدد اكراهات المرحلة الراهنة، فهل تتطلب المرحلة المقبلة البحث في توقيت مناسب آخر بما يحقق المصلحة العامة ومصلحة الموظف ومصلحة المواطن.