موقف اليوم: القاضي شريح : الحزم في القضاء وخفة الروح في الحديث

في موقف اليوم نتعرف على شخصية متألقة في سماء القضاء الإسلامي؛ علما وتطبيقا، واجتهادا وورعا. إنه القاضي شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي. هذا الرجل ليس صحابياً، لقد عاش في الجاهلية، وأسلم حينما جاء النبي بدعوته، ولكنه لم ينتقل من اليمن إلى المدينة إلا بعد أن توفى الله النبي عليه الصلاة والسلام.

ولتقديم صورة عن قيمة هذا الرجل في القضاء؛ فيكفي أن نعرف أن الذي عينه هو الخليفة عمر بن الخطاب المعروف بتشدده في اختيار المسؤولين بالدولة. كما يكفي أيضا أن نشير إلى أنه قضى بين المسلمين في مهمة القضاء أكثر من ستين عاماً، وتَعَاقَبَ على إقراره على منصبه كل من عمرَ بن الخطاب, وعثمانَ بن عفان، وعليِّ بن أبي طالب، ومعاويةَ بن أبي سفيان رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، كلُّ هؤلاء الخلفاء أقرُّوه في منصبه .أما قصة اكتشاف عدله وقوته في إصدار الأحكام، ومن ثمة تعيينه في منصبه، فهي حادثة اختصام وقعت للخليفة عمر نفسه.فقد ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرساً من رجل من الأعراب، ونقده ثمن الفرس، ثم امتطى صهوته، ومشى به، لكنه ما كاد يبتعد بالفرس قليلاً, حتى ظهر فيه عطب، عاقه عن مواصلة الجري، فانثنى به عائداً من حيث انطلق، وقال للرجل: “خذ فرسك فإنه معطوب”، فقال الرجل: “لا آخذه يا أمير المؤمنين، وقد بعته منك سليماً صحيحاً”، فقال عمر: “اجعل بيني وبينك حكماً”، قال الرجل: “يحكم بيننا شريح ابن الحارث الكندي”، فقال عمر: “رضيت به “.فلما سمع شريح مقالة الأعرابي التفت إلى عمر بن الخطاب، وقال: “يا أمير المؤمنين, هل أخذت الفرس سليماً؟” فقال عمر: “نعم، قال شريح: احتفظ بما اشتريت يا أمير المؤمنين، أو ردَّها كما أخذتها” .
نظر عمرُ إلى شريح معجباً! ولو كان أحد آخر غير عمر لغضب وحنق عليه.  ثم قال: “وهل القضاء إلا هكذا؟؛ سِرْ إلى الكوفة، فقد ولّيتك قضاءها”.

وإلى جانب تفوقه في مجال القضاء، كان شريح سريع البديهة، حاضر الدعابة البريئة والمزاح في إطار الحق. ومن ذلك الواقعتين التاليتين:

ـ في إحدى جلسات القضاء، أَقَّـر رجل عنْد القَاضِي شُرَيْح بشيىء ثمَّ بعد ذلك أنكر ما سبق أن اعترف به فَقَالَ شُرَيْح: قد شهد عَلَيْك ابْن أُخت خالتك (أي أنه شهد على نفسه؛ فكل انسان هو ابن أخت خالته) والرجل طبعا اعتقد أن شخصا آخرا شهد عليه.

ـ ومرّ شُرَيْح بِمَجْلِس في مدينة همدان، فسلّم فردّوا عَلَيْهِ وَقَامُوا يرحبّون بِهِ، فَقَالَ: يَا معشر هَمدَان إِني لأعرف أَهل بَيت مِنْكُم لَا يَحِلّ لَهُم الْكَذِب فَقَالُوا: مَن هم يَا أَبا أُميَّة؟ فَقَالَ: مَا أَنا بِالَّذِي يُخْبِركُمْ فَجعلُوا يسألونه وتبعوه ميلًا أَو قَرِيبا مِنْهُ وَيَقُولُونَ لَهُ: من هم؟ وَهُوَ يَقُول: لَا أُخبركم.. فانصرفوا عَنهُ وفي أنفسهم لهفة لمعرفة أهل البيت المقصود وهم يرددون: “ليته أخبرنَا بهم”.   وقد فاتهم إدراك أن كل الناس لا يحل لهم الكذب؛ وليس بيتا أو قبيلة بعينها.

الخلاصة أو الحكمة: كلمة قالها الزعيم البريطاني تشرشل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث اجتمع بوزرائه، وقد أتت الحرب على كل شيء، لا معمل، ولا مال، ولا شيء، فسأل هذا الزعيم وزراءه: كيف الصناعة عندك يا فلان؟ قال: المعامل كلها مدمرة، كم في حوزتك من المال يا وزير المالية؟ قال: لا شيء، سألهم وزيراً وزيراً، وكل وزير بحسب اختصاصه, أظهر أن البلاد مدمرة عن آخرها، وصل إلى وزير العدل، قال: يا فلان كيف العدل عندك؟ قال: بخير، قال: إذن كلنا بخير، نحن بخير إذا أخذ العدل مجراه. والدليل ما وصلت إليه بريطانيا اليوم . . وإلى اللقاء في حلقة الغد إنشاء الله.

 ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ