ماذا جرى، محمد والضحى باحث في الموارد البشرية

مما لاشك فيه اننا شعب عاطفي اكثر من اللازم في بعض الاحيان، فكلما حدثت مشكلة تمس حياة المواطن كارتفاع الأسعار أو قلة منتج ما أو وقوع حوادث الطرق او … إلا وارتفعت الأصوات مطالبة بإصدار قرارات سريعة لإقالة المسؤول الأول عن القطاع المعني، وغالبا ما يقصد بهذا المسؤول رئيس الادارة المعنية أو من يأتي بعده في مناصب المسؤولية . ويظن الكثير أن قرار الإعفاء كفيل بحل المشكلة برمتها وكأن المسؤول المعني هو من ارتكب الخطأ أو كان السبب الرئيسي لوقوعه. وحين تتم الإقالة نحس بنشوة الانتصار دون أن يكون هناك سوى نتيجة واحدة تبعث على التفاؤل، وهو أن المسؤول الجديد سيخشى مصير سابقه.. !
المسؤول وزيرا كان أو مديرا عاما او رئيس مجلس بلدي او … ليس بالطبع بريئا من المسؤولية، لكنه أيضا ليس المسؤول الوحيد عنها. فالمسؤولية تختلف من موقع الى اخر حسب طبيعة الخطأ المرتكب . فهناك فرق بين الخطأ المتعمد وخطأ سوء التدبير! فليس من العدل أن يرتكب موظف ما خطأ متعمدا يدري جيدا أنه سيترتب عنه مشكلة، ثم نطالب الوزير لوحده بالرحيل وكأن من مهامه الاساسية أن يقف بجانب كل موظف ليتأكد من حسن تصرفاته، فهذا من المستحيلات ! فمسؤولية الخطأ المتعمد تقع على الموظف المعني، اضافة الى رئيسه المباشر لعدم قيام هذا الاخير بدوره في متابعة الموظف المعني عن قرب واقرار اجراءات ومساطر تقلل من أي اختلال يمكن أن يرتكبه موظف عن عمد.
أما خطأ سوء التدبير الذي يتسبب به موظف الذي لا يقدر المسؤولية، ولا يقيم اعتبارا للقواعد الادارية ولا يكترث بالأضرار التي قد تحدث فيتحمل مسؤوليته رئيسه المباشر كذلك ، لأنه مكلف بوضع القواعد الاساسية لتنظيم العمل بالمصلحة التي يشرف عليها ؛ لتلافي حدوث مشاكل خطيرة بالاعتماد على فرد واحد في الأعمال التي لها أثر كبير.
ان من المسؤوليات الاساسية الملقاة على المسؤول المباشر أن موظفيه مستعدون بشكل جيد لتنفيذ الأعمال المنوطة بهم من حيث التدريب والتأهيل والاطار القانوني وطريقة العمل، وكذلك العمل على دعمهم بكافة وسائل العمل لتفادي الوقوع في مشاكل تحد من نجاعة عملهم.
أما المشاكل التي يسأل عنها كل مسؤول عن ادارة معينة ، ويتحمل فيها مسؤولية كبرى، فهي تلك التي تترتب عن أخطاء استراتيجية في تدبير الادارة التي يشرف عليها ، ووقوع مثل هذه الأخطاء يكون سببه اختيار وتعيين والحفاظ على مديرين غير أكفاء، ولا تتم محاسبتهم، ثم يتم استبدالهم بدون توجهات محددة مما يتسبب في تكرار أخطاء استراتيجية تثبت أن المسؤول الأول ليس متابعا لاوضاع ادارته ولا يتواصل مع مرؤوسيه.
وعندما تتكرر الأخطاء في إدارات معينة وتستنسخ نفسها من ادارة إلى أخرى، حتى ولو كانت أخطاء فردية فإنها تقدم دليلا على قصور قدرة رئيس الادارة المعنية على تتبع أداء ادارته واتخاذ الإجراءات التصحيحية المناسبة. كما أنها تثبت مثل هذه الاخطاء وجود شرخ كبير بين المسؤول الاول عن بقية المسؤولين التسلسليين وتظهر وجود عوائق تحد من التواصل الداخلي لادارة معينة؛ مما يكرس تكرار نفس الأخطاء. وحين تفشل ادارة معينة في تنفيذ اوراشها أو مخططاتها أو تحسين خدماتها لتلبي الحاجيات المتنامية للمرتفقين ، فإن رئيس الادارة المعنية هو المسؤول؛ لأن دوره يكمن في متابعة مسار ادارته وتحسين أدائها.
التسرع احيانا في إقالة دون بحث عميق يكشف لنا عن اصل المشكلة او اعداد تقارير تقييمية ، ما يعني أننا نكرر نفس المشكلة، وأن ما تم القيام به لا يعد سوى ترميم للواجهة الخارجية دون الولوج الى عمق المشكلة. ذلك انه احيانا يكون القرار مجرد مسكن جزئي لاحتجاجات متعددة. اضافة الى إن المسؤول الجديد نجده في الغالب يتبنى توجها معاكسا لسابقه ، ويقوم باتخاذ قرارات مخالفة لسابقه تهدر الجهود التي بذلت والأموال التي أنفقت وتعيد الادارة الى نقطة الصفر بسبب عدم تبني استراتيجيات واضحة الاهداف تلزم أي رئيس بتنفيذها. كما انه قد يقوم الرئيس الجديد بإبعاد بعض المقربين من الرئيس السابق وإن كانوا مخلصين في عملهم لأنهم محسوبون عليه فنخسر بذلك اطر وتضيع الإنجازات ويتأجل تحقيق الأهداف الى وقت لاحق…!