ماذا جرى، محمد والضحى باحث في الموارد البشرية

يجسد النظام التأديبي بالوظيفة العمومية مجموعة من القواعد النظامية التي تحدد الإطار العام للالتزامات التي ينبغي للموظف التقيد بها، وكذا مجموعة من التصرفات التي يجب عليه الامتناع عن القيام بها. ويهدف نظام التأديب الى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية أولها المحافظة على حسن سير المرفق العام وتحقيق الإصلاح ثم تحقيق الردع المطلوب، وفي هذا الإطار ينص النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على مجموعة من الحقوق الخاصة بالموظف، بالمقابل فانه يتضمن أحكاما وقواعد تأديبية في حالة إخلاله بالتزاماته وواجباته أثناء ممارسته لوظيفته. وعكس الجريمة الجنائية لم يعرف المشرع تعريفاً محدداً المخالفات التأديبية واكتفى بتنصيص على الواجبات وان أي إخلال بها يعرض الموظف لمتابعة تاديبية . كما ان المخالفة التأديبية لا تخضع لقاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص” كما هو الحال في الجريمة الجنائية ، وبالتالي فالموظف مفروض عليه أن يتجنب الوقوع في كل ما يعتبر اخلالاً بواجباته الوظيفية. ومن هنا فان المخالفة تقاس من خلال سلوك الموظف المخطئ وفق ظروف معينة، ويراعى في ذلك، الظروف التي حدث فيها هذا التصرف والحالة الصحية للموظف وكذا تاريخ ومكان وقوع هذا الإخلال.
ان المخالفات التأديبية ليست محددة على سبيل الحصر و إنما جعلها المشرع خاضعة لسلطة تقديرية وفق قواعد قانونية محددة ، ذلك ان هدف أي نظام تاديبى هو ضمان حسن اداء الموظفين لأعمالهم وضمان استمرارية وعمل المرفق العام بانتظام واطراد، كما أن المخالفة التأديبية تستقل عن الجريمة الجنائية من حيث المسؤولية، اذ ان إعفاء الموظف من المسؤولية الجنائية وإلغاء التهم الجنائية المنسوبة إليه لا يمنع من متابعته تأديبياً بالمرة، فالمخالفة التأديبية قائمة على ذاتها مستقلة عن التهمة الجنائية، أساسها مخالفة الموظف لواجبات الوظيفية ، وهذا الاستقلال قائم حتى ولو كان هناك ارتباط بين الجريمتين، فالموظف قد يسأل تأديبياً لمخالفته النصوص القانونية والتنظيمية وقواعد الوظيفة العمومية، في حين أن الجريمة الجنائية لا تقوم إلا إذ خالف الفاعل نصاً قانونيا.
ويقوم نظام التأديب في مجال الوظيفة العمومية على فكرة تحقيق المصلحة العامة وتمكين الإدارة من أداء وظيفتها وفق ماهو مطلوب منها، فهو لا يستهدف العقاب في حد ذاته، لكنه يبحث عن الأسباب التي جعلت المخالفة أمراً واقعا، وقد يكون ذلك راجعاً إلى نقص أو غموض في الاختصاصات أو الكفاءة أو التنظيم أو تهاون في الاداء ، ومع ذلك يظل التساؤل مطروحا: هل نظام التأديب قادر بوضعه الراهن على حماية الوظيفة العمومية من الاختلالات التي قد تقع ويتكرر وقوعها؟ ذلك أن نظام التأديب الحالي يواجه نقداً حاداً بأنه اصبح غير قادر على مواكبة المتغيرات المستمرة في مجال الوظيفة العمومية، وهذا ما أكدت عليه أكثر من دراسة لوزارة الوظيفة العمومية نفسها. ثم أين موقع الوظيفة العمومية السامية من هذا النظام ؟ الم يحن بعد اصدار نظام تأديبي خاص بهذه الفئة لخصوصية مركزها القانوني والإداري ؟ ان هناك فئات عريضة من أعوان الدولة أصبحت حاليا تلج الوظيفة العمومية وتعين في مناصب عليا غير خاضعة لقواعد الوظيفة العمومية ، فاين موقعها من التأديب في حالة ارتكابها لمخالفات تأديبية؟