نواصل اليوم الحديث عن ذلك الجانب من قوة النساء العربيات في البيان، وكيف يستطعن بهذه الملكة أن يحصلن على مالم يستطعه الرجال. وبعد واقعة المرأة البرمكية مع هارون الرشيد التي أوردناها أمس، نتوقف اليوم عند نموذج آخر لامرأة رفعت شكايتها للخليفة المأمون. وهي بالمناسبة، تلك القصة المشهورة التي تضمنها كتاب مادة اللغة العربية للسنة الخامسة ابتدائي”التلاوة” (بداية السبعينات من القرن الماضي لمن يتذكرها). وهذه هي القصة:

يذكر صاحب كتاب (العقد الفريد) قصةً للمأمون: (وأنه جلس يومًا لردِّ المظالم، فكان آخر من تقدم إليه – وقد همَّ بالقيام – امرأة عليها هيئة السفر، وعليها ثياب رثَّة، فوقفت بين يديه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم. فقال لها يحيى: وعليك السلام يا أمة الله، تكلَّمي بحاجتك. فقالت:

يا خير منتصف يهدى له الرشد         ويا إمامًا به قد أشرق البلد 

تشكو إليك عميد القوم أرملة           عدى عليها فلم يترك لها سبد  

وابتز مني ضياعي بعد منعتها          ظلمًا وفرق مني الأهل والولد

 

فأطرق المأمون حينًا، ثم رفع رأسه إليها وهو يقول:

 

في دون ما قلت زال الصبر والجلد      عني وأقرح مني القلب والكبد

هذا أذان صلاة العصر فانصرفي         وأحضري الخصم في اليوم الذي أعد

فالمجلس السبت إن يقض الجلوس لنا     ننصفك منه وإلا المجلس الأحد
قال: فلما كان يوم الأحد جلس، فكان أول من تقدم إليه تلك المرأة، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فقال: وعليك السلام ثم قال: أين الخصم؟ فقالت: الواقف على رأسك يا أمير المؤمنين – وأومأت إلى العباس ابنه – فقال: يا أحمد بن أبي خالد، خذ بيده فأجلسه معها مجلس الخصوم. فجعل كلامها يعلو كلام العباس. فقال لها أحمد بن أبي خالد: يا أمة الله، إنك بين يدي أمير المؤمنين، وإنك تكلمين الأمير، فاخفضي من صوتك. فقال المأمون: دعها يا أحمد، فإنَّ الحق أنطقها والباطل أخرسه. ثم قضى لها برد ضيعتها إليها، وظلم العباس بظلمه لها، وأمر بالكتاب لها إلى العامل الذي ببلدها أن يوغر لها ضيعتها، ويحسن معاونتها، وأمر لها بنفقة

الخلاصة أو الحكمة: ترد المظالم إما بقوة القانون، أوبالتفكير والدهاء وحسن التدبير.  ولكن قد يحدث ألا تتمكن أية واحدة من تلك الطرق من إرجاع الحقوق ورفع الظلم. عند ذلك لا يبقى سوى باب واحد. قال ابن القيم: والظلم عند الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة له دواوين ثلاثة: ديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وهو الشرك به، فإن الله لا يغفر أن يُشْرَك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئًا، وهو ظلم العباد بعضهم بعضًا، فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه عزَّ وجلَّ، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محوًا، فإنه يُمحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ونحو ذلك. فعن عبد الله بن أنيس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  “يحشر العباد يوم القيامة حفاة عراة غرلًا بهمًا، فيناديهم مناد بصوت يسمعه مَن بعُد كما يسمعه مَن قرُب: أنا الملك، أنا الديَّان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، حتى اللطمة فما فوقها، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة، حتى اللطمة فما فوقها وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا، قلنا: يا رسول الله، كيف وإنما نأتي حفاة عراة غرلًا بهمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات جزاءً وفاقًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحدًا”. وإلى اللقاء في حلقة الغد إنشاء الله.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ