كما يعلم الجميع، فقد اندلعت من جديد أحداث عنف دامية في منطقة غرداية بالجارة الجزائر. وحسب آخر المعطيات المتوفرة؛ فقد أدت إلى سقوط ما لا يقل عن 22 قتيلا، وعددا كبيرا من الجرحى، مع إتلاف للممتلكات العامة والخاصة. وتحاول السلطات الجزائرية تقديم تلك الأحداث على أنها صراع مذهبي وعرقي بين طائفتين مسلمتين: الأولى قبائل أمازيغية العرق، ومعتنقة المذهب الإباضي، والثانية قبائل الشعانبة العربية ذات المذهب السني المالكي. لكن المحللين والمختصين في الشأن الجزائري، يرون شيئا آخر. فالطائفتان المذكورتان كانتا في تعايش تام ووئام مشترك حتى تاريخ 14 من مثل هذا الشهر (يوليوز) من سنة 1971؛ وهو تاريخ انطلاق ما يسمى في الجزائر بـ”الثورة الزراعية” التي أرادها الرئيس الراحل هواري بومدين أسلوبا جديدا في تنمية القطاع الفلاحي في الجزائر المستقلة، وتتم فيها مراجعة الأنظمة الفلاحية التي أرستها  فرنسا على امتداد حقبة 130 عاما من الاستعمار. ومن بين ما قامت به تلك الثورة الزراعية إعادة توزيع الأراضي الفلاحية على المزارعين. وهنا ابتدأت المشاكل بين الطرفين؛ فالسلطات قامت بانتزاع الأراضي من البربر عن طريق الشراء بأثمنة بخسة، أو الانتزاع المباشر بقوة القانون، أو التحايل بشتى الوسائل، وعلى النقيض من ذلك، القيام بتمليك تلك الأراضي للطرف الثاني؛ العرب. ومنذ ذلك الحين كانت القلوب تضمر الرغبة في الاحتكاك لإعادة الأمور إلى نصابها. وإذا كانت حقب الرؤساء الجزائريين السابقين قد تميزت بسياسة القبضة الحديدية، وتبعتها العشرية الدموية، وكانت وسائل الاتصال قليلة ومحدودة التأثير، فقد تغيرت الأوضاع الآن، وأصبحت الأمور ناضجة لاندلاع تلك الأحداث. ففي أحد تعليقاتها قالت صحيفة مقربة من النظام الجزائري بان “الفتنة نائمة لعن الله موقظها”، وذلك في اعتراف ضمني بأن المشكلة لم تكن في يوم ما من اهتمامات السلطات الحاكمة هناك لتسعى لإيجاد حل جذري لها.
وإذا كانت الأنظمة الحاكمة في كل بلاد الدنيا تسعى لإيجاد الحلول لمشاكل مواطنيها لتهدئة الأوضاع وإرساء استقرار يساعد على التنمية، فإن النظام العسكري الحاكم في بلاد المغرب الأوسط، يسير في الاتجاه المعاكس تماما. ومن أبرز مؤشرات ذلك:
ـ كون السلطات تحاول تسويق أن سبب الأحداث اختلافات عقائدية وعرقية. وفي مثل هذه الحالات تنعدم جدوى التسوية بالمفاوضات والمساعي السلمية؛
ـ كون السلطات هي المتسبب في جذور المشكلة وليس السكان؛
ـ كون السلطات تلجأ إلى القبضة الحديدية مرة أخرى، وكعادتها، وذلك بإسناد مهمة التعامل مع هذه القضية للجيش، عوض إحداث لجنة حكومية صافية النية للبحث عن حل يرضي كل الأطراف. ونحن نعرف نوعية التعامل التي تتصرف بها الجيوش مع السكان المدنيين، خاصة إذا كان من صنف الجيش الجزائري الذي طبقت شهرته الآفاق في التقتيل والهمجية خلال العشرية الدموية.
وبعد ذلك يبقى السؤال المحير: لماذا يختار نظام الحكم في الجزائر هذا الأسلوب في التعامل مع جزء من شعبه؟!
إن الأحداث الجارية، تشير إلى أن غالبية الشباب المشارك فيها من الطرفين، فتح عينيه جيدا على حالة البؤس الدائم التي تغرق فيها المنطقة، مع مقارنة ذلك بالثروات التي يملكها الشعب الجزائري، ويتم توزيعها من طريقين سيئتين للغاية: فالجزء الكبير من تلكم الأموال تذهب إلى أفراد الطغمة العسكرية الحاكمة وبعض المدنيين الحكوميين متراكمة في جيوبهم بل في حسابات متعددة بأبناك خارجية، وجزء هام من مقدرات ثروة الشعب الجزائري يذهب في تغطية مصاريف شراء ذمم بعض الدول الفقيرة في العالم كي تضمن ولاءها لأوطروحات النظام الجزائري في معاكسة التنمية بالبلدان المجاورة وخاصة المغرب. ويبقى جزء بسيط من تلكم الثروة تصرفه السلطات الحاكمة لشراء صمت الشعب عن طريق الدعم المفرط لبض المواد وإقرار مشاريع سكنية منخفضة التكاليف وضعيفة البنية، ومشاريع طرقية فاشلة تترك الضحايا يوميا على الطريق بسبب الغش في الإعداد، وغيرها من أساليب الالتفاف على الحقوق الثابتة للشعب، لأنه لو تم الاستغلال الأمثل لثروات البلاد لأصبحت الجزائر مثل دول الخليج في التقدم والازدهار والإشعاع.
بقيت كلمة لابد من الإشارة إليها، وهي أن سياسة القبضة الحديدية وتفقير الشعب لن تخمد ثورة المظلومين سواء في غرداية أو في أية بقعة أخرى من التراب الجزائري لأن محاربة الظلم خيط يربط الجميع وهذا الخيط سريع الاشتعال، وليس من حل للقضية سوى أن يتنفس الشعب هناك نسمة العدل ويلمس النعمة التي بإمكان ثروته أن تنشرها في عموم البلاد.