موقف اليوم: ذاك الأسد من ذلك الأسد

نتحدث اليوم عن موقفين لطيفين لصحابيين كبيرين: الأول أب الثاني، فإذا عرفنا عن عمر بن الخطاب بعضا من سيرته العظيمة، فابنه عبد الله بن عمر، ويلقب براهب الليل؛ له شأن عظيم أيضا. ولد بعد البعثة النبوية الشريفة بثلاث سنوات، وعندما هاجر كان عمره أحد عشر عاما، وفي غزوة أحد أراد أن يخرج للجهاد، فعرض نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم، فردَّه لصغر سنه، وفي غزوة الخندق ظل يلح على النبي حتى وافق على خروجه، وكان عمره خمسة عشر عاما، واستمر بعد ذلك يجاهد في جميع الغزوات والمواقع.
وكان -رضي الله عنه- يتبع آثار النبي ويقتدي به في جميع أموره؛ لدرجة أنه كان يتحرى أن يصلي في كل مكان صلى فيه النبي ، ويسير في كل طريق سار فيه. كان عبد الله من أهل التقوى والورع والعلم، وكان مع علمه الشديد يتحرى في فتواه، ويخاف أن يفتي بدون علم، وقد جاءه يومًا رجل يستفتيه في شيء، فأجابه معتذرًا: لا علم لي بما تسأل عنه. ثم فرح وقال: سئل ابن عمر عما لا يعلم فقال: لا أعلم. وقال عنه ميمون بن مهران: ما رأيت أتقى من ابن عمر.
وكان كارهًا لمناصب الدنيا، خائفًا من تحمل أعبائها، وقد أرسل إليه الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وعرض عليه منصب القضاء فرفض ابن عمر، وكان عبد الله يحب الحق ويكره النفاق، وقد جاء إليه عروة بن الزبير بن العوام وقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون بالكلام، ونحن نعلم أن الحق غيره فنصدقهم، ويقضون بالجور (أي يحكمون بين الناس بغير الحق) فنقويهم ونحسنه لهم، فكيف ترى في ذلك؟! فقال ابن عمر لعروة: يابن أخي، كنا مع رسول الله نعدَّ هذا النفاق، فلا أدرى كيف هو عندكم؟!

وذات يوم رأى رجلاً يمدح رجلاً آخر، فأخذ ابن عمر ترابًا ورمى به في وجهه وقال له: إن رسول الله قال: إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا (ألقوا) في وجوههم التراب.

إن الذي يطلع على هذه المعلومات مجتمعة في شخص واحد سيستغرب، لكن لماذا الغرابة وهذا الرجل من تربية عمر بن الخطاب، والناهل من أخلاق النبوة؟!.

أما الموقفين الذين نستعرضهما، فيتمثلان فيما يلي:

موقف عمر: َنظر عمر بن الْخطاب رضي الله عنه إِلَى أَعْرَابِي يُصَلِّي صَلَاة خَفِيفَة فَلَمَّا قَضَاهَا قل: اللَّهُمَّ زَوجنِي بالحور الْعين فَقَالَ عمر: أَسأت النَّقْد وأعظمت الْخطْبَة. (يعني رخصت المهر بتقديم صلاة خفيفة سريعة، وطلبت عروسا غالية)

خرج عمر بن الخطاب من المسجد والجارود العبدي معه، فبينما هما خارجان إذ بامرأة على ظهر الطريق، فسلم عليها عمر فردت عليه السلام، ثم قالت: رويدك يا عمر حتى أكلمك كلمات قليلة. قال لها: قولي. قالت: يا عمر عهدي بك وأنت تسمى عميرًا في سوق عكاظ تصارع الفتيان، فلم تذهب الأيام حتى تسمى عمرًا، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت، فقال الجارود: هيه، قد اجترأت على أمير المؤمنين، فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه يا جارود؟ هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، فعمر أحرى أن يسمع كلامها.أراد بذلك قوله تعالى: “قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِير”

موقف عبد الله بن عمر: عَن عبيد الله بن خَالِد الْمَذْكُور عَن أَبِيه عَن نَافِع مولى عبد الله ابْن عمر قَالَ: كَانَ عبد الله بن عمر يمازح مولاة لَهُ (جارية له)، فَيَقُول لَهَا: خلقني خَالق الْكِرَام، وخلقك خَالق اللئام، فتغضب وتصيح وتبكي ويضحك عبد الله بن عمر.

الخلاصة أو الحكمة: بين ثنايا صلابة وحزم وقوة عمر بن الخطاب، وبين ثنايا تقوى وورع عبد الله بن عمر، بين كل ذلك، نجد الكلام الخفيف والدعابة الطريفة. رجال لن يعرف لهم التاريخ لهم مثيلا. وإلى اللقاء في حلقة الغد إنشاء الله.

 ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ