ماذا جرى، محمد والضحى باحث في الموارد البشرية
عندما يتعلق الأمر بالشأن الإداري كموضوع لصناعة الخطاب السياسي الانتخابي في المغرب كغيره من الدول ذات التعددية السياسية، تختفي أو تتراجع الإيديولوجيات والمواقف وتكاد تكون مشتركة بين أغلب الأحزاب والمنظمات السياسية الحقوقية العاملة في هذا الحقل وكذا الهيئات النقابية. ويصبح فضاء الإدارة العمومية مجالا رحبا لالتقاط الظواهر القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، لتتباين الرؤى حول الكوابح التي تعمل بها هذه الظاهرة لإعاقة تطلعات المواطنين وتنعدم حتى تلك الثقة المتبقية لديهم في المشاركة السياسية بوصفها أنسب آليات للوصول الى المواطنة الفعلية، ومن جهة أخرى تتباين ردود الافعال الواجبة لإيقاف فعل الظواهر الإدارية المعتلة . لقد أضحت كلمة السر الموحدة عند الموالات والمعارضة هي الإصلاح ، ولم ولن تختلف المواقف كثيرا بشأن الإصلاح نفسه ، فهو في جل المناسبات محور الالتقاء بين الفاعل السياسي والمواطن والسلطة ، وسواء كانت المناسبة ذات صلة بالاستحقاقات التشريعية أو الجماعية أو بوظيفة التأطير عموما ، يحصل الإجماع عادة حول محدودية المنافع التي تتطلبها مدة الاصلاحات ، والتي هي في الغالب لا تتعدى إدارات معينة بذاتها .
و يمكن اعتبار عشرين سنة الأخيرة مرحلة تقارير دولية ووطنية بامتياز حول تدبير الشأن العام الإداري في علاقته بالاقتصاد والتعليم والتنمية البشرية و.. ، لكن المثير للإنتباه أن اللهجة التي تبدأ بها هذه التقارير عادة من خلال مفردات خطاب السلبية، يلاحظ انه يتم تعويضها بين فترة وأخرى بما يدعم وضعية المغرب البلد الجيد والدولة الصديقة والمنطقة المحفزة، فهل حصل ذلك التحول نتيجة لرؤية موضوعية للكائن الإداري بالمقارنة مع ما كان؟ أم فقط كتبعة من تبعات الموقف السياسي المتبادل بين الدول الغربية والمغرب ؟ إن الجواب لا يهم بقدر ما يهم الإقرار بأن التقرير عندما يديل بخاتم منظمة دولية لا يعني ذلك أن ضمانات موضوعية توفرت له بالكامل، وفي المقابل، وعندما يصدر التقرير بمواد مغربية خالصة ، لا يفتقد كل الموضوعية في التوصيف وسرد الوقائع لأنه من صناعة سلطات أو معارضات مغربية لا تستطيع أن تحقق مطلب القطيعة بين ذاتها وموضعيتها، ثم أن الأمور تشابكت في العقود الأخيرة لدرجة انه لم تعد فيها الفواصل ، بين الداخلي المحصن والدولي المحصن، ذات أهمية قصوى في ظل هيمنة سياسات العولمة، ذلك أن العديد من المنظمات الدولية شأنها شأن الخارجية الأمريكية التي تصدر تقاريرها السنوية حول بلدان العالم في ميدان الحريات والتنمية والإدارة الراشدة والحكامة ، لا تنطلق من فراغ أو من وقائع مثالية ، وأن ما يرد في هذه التقارير حول الإدارة المغربية هو في العمق توظيف أو اشتغال على معطيات من صناعة مغربية محضة توفرها الصحافة الوطنية في الغالب وما تنشره من مقالات وتقارير بأقلام مغربية، وفي المقابل، ثمة تقارير مغربية اكتفت بتكرار ما ورد في تقارير دولية سابقة طلبا لنوع معين من الاحقية، وهذه فقط مجرد اشارات بسيطة على أنه من غير المتيسر دائما التمييز بين التقارير على أساس الموضوعاتية المطلقة أو انعدام الموضوعية بالكامل عند الاشتغال على الإدارة المغربية كمجال لرصد الاختلالات وصناعة البدائل والمواقف السياسية المسبقة حسب تموقعها ، ومع ذلك فالعبرة في الحكم بموضوعة التقرير أو بعدم موضوعيته، يتعين أن تكون هي ما يصدقه وما لا يصدقه المواطن العادي اولا واخيرا …..ثم إن هناك ظاهرة أخرى تحد بدرجات متفاوتة من موضوعية التقارير الدولية والمحلية حول الإدارة العمومية ، والمقصود هنا ظاهرة استصدار التقارير أي تصرف السلطات العمومية كطالبة لها استجابة منها لبعض المدخلات الاجتماعية والاقتصادية ، وهو ما ينطبق على تقرير البنك الدولي لسنة 1995 ، وفي هذه الحالة ، يأتي التقرير ملبيا لحاجيات معينة مما يجعل النسبية في موضوعيته حقيقة لا مجرد فرضية، وبالتالي فإن المتعين عند الاحتكام إلى مثل هذه المخرجات هو البحث عن الحد الأدنى من الصدقية، في غياب امكانية استخلاص أي حد أعلى ما دامت الحكومة في بعض الاحيان هي المتحكمة في توجهات هذه التقارير وبدرجة قد تصبح معها التوصيفات والتوصيات مجرد مصادرة مسبقة على المطلوب.