عبد العزيز الرماني

بعيدا عن هموم السياسة والاقتصاد، رأينا أن نسبح في عالم رمضاني، نساعد فيه الباحثين عن جواب صريح حول سماحة الإسلام ورحمته ورفض نبيه للعنف الدموي الذي لا نعرف كيف نزل علينا في هذا العصر القمئ، حيث القصاص بالذبح والإغراق والإحراق وإلقاء المخالفين والمختلفين  من أعالي المرتفعات.

وفي الدين طرائف قادتها وأبطالها من صحابة الرسول الكريم، ومنهم عبد الله بن رواحة الذي يكفيه ما قاله الرسول فيه:” نعم الرجل عبد الله بن رواحة”، ويكفيه أنه دافع عن الإسلام بشعره شأنه في ذلك شأن حسان بن ثاثب ويكفيه أيضا انه في حروب الإسلام كان دوما اول الملتحقين وآخر المغادرين.

يحكى أن هذا الصحابي الكريم، كان يبيت عند جارية اتخذها لنفسه وكتم السر عن زوجته، فاخبرها من أخبرها بأن زوجها ابتاع جارية لنفسه، فواجهته بشدة حين دخل البيت في ساعة جد متأخرة، وطلبت منه أن يقرأ شيئا القرآن لأنها تعلم أنه لا يمكنه القراءة وهو على جنابة فقال:
شهدت بأنّ وعد اللّـه حـقٌ
وأن النار مثوى الكافرينـا
وأن العرش فوق الماء طافٍ
وفوق العرش ربّ العالمينا
وتحمـلـه مـلائكةٌ شـدادٌ
ملائكة الإله مـقـربـينـا

واعتقدت الزوجة أن ما قرأه بن رواحة هي آيات من الذكر الحكيم فغفرت له ذنبه، واستعاذت من أنباء الفاسقين وهي تردد: الحمد لله انني ما أصبحت من “النادمين”، وهي تقصد قوله تعالى:” فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبوا قَوْماً بِجَهالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى ما فَعَلْتُمْ نَادمين “.

مرت الأيام فعلمت زوجة ابن رواحة من قوم آخرين أن زوجها اتخذ له بيتا آخر وجارية يرتادها، فقررت أن تزوره ليلا في المكان الذي يبيت فيه، ففاجأته عندها فجحدها ,نفى من جديد، فطلبت منه مرة أخرى أن يقرأ شيئا من القرآن الكريم،فقال لها:
وفينا رسول اللّه يتـلـو كـتـابـه
كما انشقّ معروفٌ من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقـلـوبـنـا
به موقنـات أنّ مـا قـال واقـع
يبيت يجافي جنبـه عـن فـراشـه
إذا أثقلت بالمشركين المـضـاجـع
وأعلم علماً ليس بـالـظـنّ أنـنـي
إلى اللّه محشورٌ هنـاك فـراجـع
فصدقته من جديد وكذبت ظنها وهي تردد:”إن بعض الظن إثم”، ولكن عبد الله بن رواحة لم يخف فعلته عن الرسول، بل حكاها له من البداية حتى النهاية، وقيل أن الرسول الكريم ضحك،وقال: “هذا لعمري من معاريض الكلام، يغفر الله با ابن رواحة، خياركم خيركم لنسائكم”.

ورغم أن الحكاية رواها أكثر من مصدر منهم من القوي ومنهم الضعيف، فإن الهدف الذي نبتغيه كما اعتدنا في مثل هذه الحلقات هو أن نبين نبل الرسول الكريم وتسامحه، وبالتالي نبل الدين الإسلامي وتسامحه، فهو لم يقبل فعل ابن رواحة بل اتخذ منه فرصة لتوجيه المسلمين نحو الحق والصواب، لا نحو المنكر وسوء المآب، فجعل خيار الناس يوم القيامة خيارهم لنسائهم بالمعاملة وحسن المعاشرة، وترك باب الرجعة مشرعا في وجه التائبين.