موقف اليوم: من نوادر النعيمان بن عمرو: الجزء الأول: الإهداء بالأداء

نتحدث اليوم عن رجل اسمه النعيمان أو النَّعْمَانُ، بن عَمْرو بن رِفَاعَةَ الأنصاريّ، من بني تميم بن مالك بن النجار. وهذا الاسم قلما سمع به عامة الناس، ذلك أنه ليس من الأسماء المتداولة ضمن كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك، فهذا الرجل كان كثير اللزوم والمصاحبة للرسول الكريم. فيكفي القول بأنه صاحب المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بيعة العقبة؛ أي منذ بدء النبي بتنفيذ قوله تعالى: “فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين”. وكان الرجل يحب النبي حبا فوق التصور، جعله يحظى بشهادة غالية جدا من الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه. لنتابع هذه الرواية: عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: أُتِيَ بِابْنِ النُّعَيْمَانِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِرَارًا، أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ، فَجَلَدَهُ فِي كُلَّ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يَشْرَبُ، وَمَا أَكْثَرَ مَا يُجْلَدُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ».

ومن فرط هذا الحب، فإنه مستعد أن يفعل أي شيء يدخل السرور إليه. ومن ذلك أن يهديه أطايب ما يعرض في السوق. لكن الرجل فقير جدا، ولايملك ما يشتري به تلك الطيبات. فماذا يفعل؟! إن النعيمان يملك إلى جانب صفة الفقر المادي، روحا خفيفة الظل ضاحكة وممازحة. لنتابع: عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ فِي إِسْنَادٍ لَهُ؛ قَالَ: كَانَ نُعَيْمَانُ الْأَنْصَارِيُّ يَدُورُ فِي أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا دَخَلَ السُّوقَ طُرْفَةٌ مِنْ رُطَبٍ أَوْ فَاكِهَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، اشْتَرَاهُ فَأَهْدَاهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ فَقِيرًا، فَإِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ؛ رَاحَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، فَيَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَعْطِ هَذَا حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِ كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَ مَا أَهْدَيْتَهُ إِلَيْنَا يَا نُعَيْمَانُ؟ !» فَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ؛ مَا مَعِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَجُوزَهُ وَأَدَعَهُ أَوْ يَشْتَرِيَهُ أَحَدٌ فَيَأْكُلُهُ قَبْلَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: فَيَضْحَكُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَأْمُرُ لَهُ بِدَفْعِ حَقِّ الرَّجُلِ إِلَيْهِ.

وَرُوِيَ أَنه أهْدى النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم جرة عسل اشْتَرَاهَا من أَعْرَابِي بِدِينَار، وأتى بالأعرابي بَاب النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم فَقَالَ: خُذ الثّمن من هَا هُنَا، فَلَمَّا قسمهَا النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم نَادَى الْأَعرَابِي: أَلا أَعطنىِ ثمنَ عَسَلِي فَقَالَ صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم: إِحدى هَنَات نُعيمان: وسأَله لَم فعلت هَذَا؟ قَالَ: أردْت بِرّك وَلم يكن معي شيىء، فَتَبَسَّمَ النَّبِي صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم وأَعطى الأعرابيّ حقَّه.

 

الخلاصة أو الحكمة: لاحظوا معي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعلق على فعلة النعيمان: ” إِحدى هَنَات نُعيمان”. فالنبي يعرف ممارسات صاحبه، وهو يقبلها عن طيب خاطر، ثم تضحكه طرافتها. إنه معلم البشرية في تقبل الناس على ماهم عليه، ومعاملتهم بالحسنى؛ اعتبارا لصفاء نيتهم ووقوفهم موقف الجاد الحازم ساعة الجد والتضحية. وإلى اللقاء في حلقة الغد إنشاء الله.

 ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ