ماذا جرى، محمد والضحى باحث في الموارد البشرية

يعتبر تفعيل العديد من مشاريع إصلاح وتحديث الإدارة العمومية، مؤشر حقيقي على تبني الدولة لخيارات بناءة وهامة إزاء المواطن لتقديم خدمات بمواصفات الادارة المواطنة، غير أن مجمل الخطوات التي تم القيام بها منذ الاستقلال إلى الآن، لم تحقق إلا القليل من مسار التطوير والتحديث والتغيير ، ذلك أن المتتبع لتاريخ إدارتنا سيشعر بخيبة أمل ولاسيما إذا تمت مقارنة حال إدارتنا اليوم بما كانت عليه في بداية الستينات، فتشخيص عللها منذ ما يزيد عن 50 سنة هو نفسه اليوم يتكرر في العديد من جوانبه ومعه تتعدد الانتظارات ، إذ ما تزال تعاني ادارتنا تقريبا من نفس الأمراض والعلل بل أضيفت إليها أخرى، والكل يتذكر تقرير البنك الدولي الشهير لسنة 1995 حول اختلالات إدارتنا والضجة الإعلامية التي واكبته والندوات والمناظرات التي نظمت بشأنه، إلا أنه مع مرور الأيام تم تناسي وقعه ولم يبق منه إلا ذكرى للباحثين، تم جاءت المناظرة الوطنية الأولى للإصلاح الإداري لسنة 2002 وما ترتب عنها من توصيات ما تزال غالبيتها تنتظر التفعيل وتوالت التقارير الدولية من منظمات مؤثرة عن عيوبنا التدبيرية، وعوض اعتماد إصلاح شمولي وعقلاني، سلكنا سياسة الإصلاح التجزيئي، والنتيجة وعود متكررة وخيبة أمل وانتظارات مؤجلة.
لا أحد ينكر التغيير الذي عرفته إدارتنا العمومية ، والمجهودات الكبيرة التي بدلت في هذا الصدد، غير أن ما كان يعاب علينا دائما ومازال سرعتنا البطيئة ، فلماذا ياترى؟ فأزمتنا ليست أزمة وسائل ، فلو كانت إدارتنا جيدة في تنظيمها لكان اقتصادنا جيدا والتعليم والثقافة والرياضة و… فإن لم نحسن أدائنا الإداري فإننا بكل تأكيد سنظل نراوح مكاننا. إن اصلاح الإدارة لايتم بالخطب الرنانة فهي علم قائم بذاته، فهي متعددة التوجهات لكنها واحدة في الاقتصاد والرياضة والثقافة و….، وهدفها النهائي انتقاء قرارات صائبة بالاستناد الى اقتراحات متاحة وإعادة تحويلها في شكل أفاق مرحلية لكنها مضبوطة ومرفقة برؤية محددة.
فمنذ سنة 2002 غير الفاعلون السياسيون المسميات من الإصلاح إلى التحديث دون تحقيق ما كانا نمني به النفس في كل خطة أو برنامج إصلاحي، فهل فعلا تجاوزنا مرحلة الإصلاح وانتقلنا إلى مرحلة التحديث؟ أم أنها موضة مرحلية ليس إلا ؟ إن التحديث في مفهومه الشمولي هو وضع إستراتيجية شمولية للإصلاح، بتقديم خدمة جيدة للمواطن وفق حاجياته وتطلعاته. إن الأمل وكل الأمل هو تحقيق قفزة نوعية لتحقيق التقدم المنشود، وليس ذلك بالمستحيل، لقد بدأنا الخطوة الاولى ثم الخطوة… وغيرنا المسار اكثر من مرة، غير أننا لم نصل بعد إلى وجهتنا، وليس العيب أن نفشل في مشروع ما، فمن الفشل يمكن أن نحقق النجاح شرط توفر العزيمة والإرادة، ومن يعتقد غير ذلك، فلينظر حوله ويبحث في دول كانت حتى الأمس القريب اقل منا تقدما، ويمكن أن نتذرع بمئات الأعذار لتبرير تخلفنا الإداري، ويمكن أن نلوم مخططاتنا أو نلوم المؤسسات المالية الدولية صاحبة الامتلاءات الإصلاحية؟ أو نشتكي من عدم توفر الظروف المناسبة ، لكننا لن نلوم في نهاية المطاف إلا أنفسنا، عندما نفشل في تدبير الاقتصاد والتعليم و الثقافة و الرياضة و الاستثمار و الصناعة و….لقد كانت نمور أسيا ( كوريا وماليزيا نموذجا) إلى غاية السبعينات دولا اقل منا تقدما، ثم حققت انجازات كبرى في ظروف مشابهة لظروفنا تقريبا. إن لنا قدرات تمكننا من خوض المنافسة لتحقيق التنمية المستدامة ونستطيع أن نبدع وننجح ونتقدم شرط توفر العزيمة والإرادة السياسية…