ماذا جرى، محمد والضحى باحث في الموارد البشرية

تعرف الإدارة المغربية ومنذ سنين تفشي ثقافة وظيفية غريبة وسلبية بين أوساط بعض فئات الموظفين، اذ يعني لها ولوج وظيفة بقطاع الوظيفة العمومية مجرد عملية لانجاز مهام قليلة بمجهود بسيط لأجل الحصول على حق مكتسب مسبقا، دون إعارة أي اهتمام للانضباط والأداء والمردودية. إنها ثقافة تؤسس لاندثار قيم المواطنة لدى بعض الموظفين حول مسؤولياتهم ومهامهم ودورهم في المجتمع.
خلال عملية التوظيف بإحدى الإدارات العمومية، كانت من بين الأسئلة التي تم طرحها على بعض المرشحين: لماذا اختيار قطاع الوظيفة العمومية؟ كان جواب الغالبية هو لضمان الاستقرار الوظيفي لا غير والقليل منهم أكد على خدمة الوطن…، غير أن هناك حقيقة تظل مركونة في ظل السكون وهي أن الرغبة في العمل بالقطاع العام في العديد من الحالات تعني التزاما اقل ومهام محدودة جدا ومجهود بسيط عكس القطاع الخاص حيث المطالبة بالمردودية تظل هي الاساس للحفاظ على استمرارية منصب شغل قار.
إن ثقافة اللامبالات وعدم الانضباط أصبحت مترسخة في سلوك بعض الموظفين، ويكفيك أن تزور بعض الإدارات التي لها علاقة مباشرة بخدمة المواطن، ولا سيما بالجماعات الترابية، لتعاين ذلك. فهناك موظفون لا يلتحقون بعملهم إلا بعد ساعات.. من الوقت القانوني دون عذر مقبول، لقد اصبح مثل هذا السلوك من الحقوق المكتسبة ولا يمكن التنازل عنه، بالرغم من تعدد مناشير رئاسة الحكومة والوظيفة العمومية للحد من مثل هذه التصرفات، ويكون الضحية طبعا المواطن. والنتيجة ضعف في الأداء وهدر للمال العام، وخدمات بدون جودة، ويصبح مثال هذا الموظف في اعين الكثير بطلا مغوارا وذكيا بهذه التصرفات والباقي أغبياء.
ان تفشي مثل هذه السلوكات الوظيفية أو المهنية أصبح مألوفا لدى المواطن، وقد اشتد ارتباطها بالعمل بإدارات الدولة، ومع توالي السنوات تكرست في بيئتنا الإدارية وأصبح من يعمل بجد وتفان، موظف مغفل ولا يعرف اين تكمن مصلحته. لقد انقلبت المفاهيم رأسا على عقب، بل ويمكن القول بان الأصل في العمل هو التراخي في انجاز المهام وان الاستثناء هو العكس. ويتأكد ذلك عندما تلج بعض الإدارات لانجاز خدمة ما وتجد أمامك في مكتب 4 أو 5 موظفين ويضعون طلبك جانبا وقولون لك: إلى الغد؟ وهم يخوضون في حديث عن البارصا وألقابها وصراعها مع الريال أو حروب أمريكا المتعددة عبر العالم أو ارتفاع غلاء الأسعار المتوالي…. إن مثل هؤلاء الموظفين هم في الحقيقة ضحية لثقافة سلبية عن العمل، لم يجدوا من يصلح لهم مثل هذه المفاهيم، وينبههم أن تصرفهم هذا يظلمون به المواطن والمجتمع والوطن.
إن أسباب النظرة السلبية عن العمل راجعة بالأساس إلى سيادة مفاهيم اجتماعية خاطئة، فلم يعد العمل بالقطاع العام وشغل وظيفة معينة سوى مصدر رزق وحق عيني، لا يتطلب الاجتهاد والإبداع والانضباط. كما ان غياب نظام للمراقبة وتقييم الأداء وعدم وجود تحفيزات عن الانتاجية ساهم بدوره في تجدير هذه المفاهيم . اضافة إلى اقصاء الموظف من المشاركة في قرارات إدارته لتحسيسه بأهمية وجوده وشعوره بالانتماء إلى بيئة ادارته. كما ان غياب منظومة للأجور عادلة ومنصفة وعدم وجود نظام للترقية يحفز الموظف الكفء وغياب قواعد تحفز الموظف المجتهد ماديا ومعنويا – غياب جوائز للموظف المثالي مثلا – كل هذه الظواهر تغدي وتنمي الثقافة السلبية عن العمل.
ولحد الآن لم نسمع عن القيام بدراسة لهذه الظاهرة المتفشية في بيئتنا الادارية،غير أن ذلك لا يعفينا من الدعوة إلى التحلي بأخلاق الموظف المثالي وتعميم المفهوم الصحيح عن العمل باعتباره آلية للرفع من أداء إدارتنا وتحسين قدراتها التدبيرية، لما فيه خير وتطور هذا الوطن.