موقف اليوم: الصحابة الكرام: فن اللعب بالكلمات

نتحدث اليوم عن رجل منحدر من أسرة الصديق أبي بكر (ثاني اثنين إذ هما في الغار)، رضي الله عنه. عرف بلقب ابن أبي عتيق، واسمه الكامل هو: عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي بكر الصّديق. عرف عنه أنه صاحب مزاح وملاطفة، ولعب على الكلمات.

أما موقفنا هذا اليوم، فيجمع  هذا الرجل، من جهة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما من جهة ثانية. فإذا كان الأول مضحاكا هزليا، وذَا فُكاهة ومزاح، فقد كان الثاني من كبار الصحابة المشهود لهم بالورع والفقه، وكان أقرب الناس إلى الجدية، وأبعدهم تماما عَن الرَّفَث.

في ذات يوم، أَتَى ابْن أبي عَتيق إلى عبد الله بن عمر، وَفِي يَده رقْعَة مكتوب فِيهَا هاذين البيتين الشعريين:

أذهبت مالَكَ غيرَ مُتَّرِكٍ … فِي كل مُومِسةٍ وَفِي الخمرِ

ذهب الْإِلَه بِمَا تعيش بِهِ … وَبقيت وَحدك غيرَ ذِي وَفرِ

أي أنك أنفقت مالك كله في الحرام بين الخمر ومعاشرة المومسات؛ بحيث لم توفر شيئا وبقيت لك الحسرة فقط.

وَكَانَت زَوْجَة ابْن أبي عَتيق عَاتِكَة بنت عبد الرَّحْمَن المخزومية قد هجته بهما. فَقَالَ: يَا أَبا عبد الرَّحمن انْظُر هَذِه الرَّقعةَ وأَشِر عَليّ بِرَأْيِك فِيمَن هجاني بِمَا فِيهَا ماذا أفعل به، فَلَمَّا قَرَأَهَا عبد الله اسْترْجع (أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون)، وَقَالَ لَهُ: أَرى لَك أَن تعفوَ وتصفحَ، فَقَالَ لَهُ: أَنا وَالله با أَبا عبد الرَّحمن أرى غير ذَلِك قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أَفعَلُ بِهِ (لاَ يُكَنِّي؛ أي أفعل به ما يفعل الرجال بالنساء)، فَقَالَ لَهُ عبد الله بن عمر: سُبْحَانَ الله مَا تتركُ الْهزْل !!. وأَرعد وأَبَرق (أي ثار غاضبا)، فَقَالَ: هُوَ وَالله مَا أَخبرتك، فافترقا، ثمَّ لَقِبَه ابْن أبي عَتيق بعد مَا ظنَّ أَن ابْن عمر نسىِ ذَلِك فَقَالَ لَهُ: أَتدري بذلك الإِنسان؟ قَالَ: أَيّ إِنسانٍ؟ قَالَ الذِي أَعلَمتُك أَنه هجاني قَالَ: مَا فعلتَ بِهِ؟ قَالَ: كل مملوكٍ لَهُ فَهُوَ حرُّ إِن لم أَكن فعلت بِهِ، لاَ يكني (أي أقسم أنه فعل به ما ذكره في المرة الماضية). فأَعظم ذَلِك ابنُ عمر. فَقَالَ ابْن أبي عَتيق: امرأَتي الَّتِي قالته. فُسري عَن ابْن عمر (أي انفرجت أساريره من الغضب)، وَقَامَ وَهُوَ يضْحك قَائلاَ لَهُ: أَحسنت، فزدنا من هَذَا الأدب.

الخلاصة أو الحكمة: هنالك رجال معروفون بخفة دمهم، وهذه الخفة تشفع لهم عند قيامهم بدعابات والأعيب مع أشخاص غاية في الجدية. هي مهمة غير رسمية لكنها ضرورية للتوازن الحقيقي للمجتمع. وإلى اللقاء في حلقة الغد إنشاء الله.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ