ماذا جرى، محمد والضحى باحث في الموارد البشرية

لا يختلف اثنان بشان التحولات التي عرفتها الإدارة المغربية في 20 سنة الأخيرة، غير أنه من الثابت ان إكراهات اليوم العديدة والمتنوعة قد غيرت من شكل وتوجهات الدولة الحديثة، ودفعت المواطن للمطالبة وبإلحاح بعودة تلك الدولة القوية المركزة في مخططاتها على تنمية الجانب الاجتماعي والاقتصادي باعتباره أولى الأولويات.
فبشهادة المؤسسات المالية الدولية، لم تحقق سياسة الخوصصة التي تم نهجها خلال الثمانينات من القرن الماضي النتائج المرجوة منها باستثناء تقليص ممتلكات القطاع العام، حيث لم ترق معدلات النمو إلى المستويات المتوقعة، بل بالعكس ارتفعت معوقات التنمية ومنها معدلات الفقر والبطالة. فمنذ ثلاثين سنة ساد الاعتقاد بأن القطاع الخاص يمكنه لوحده إيجاد حلول لمشاكل التنمية، وأنه بالموازاة مع ذلك، يتعين تقليص حجم مجال تدخل الوظيفة العمومية وتقزيم دورها في المجتمع، والنتيجة تراجع مهول في البرامج الاجتماعية. اذ بالرغم من تفويتنا لكل ماله قيمة من مؤسسات عمومية، فإنه لم يتم تحقيق تلك الاحلام الوردية التي كان العديد من المسؤولين والخبراء يتبجحون بها.
إن من التضليلات الاعلامية الاكثر شيوعا اعتبار مصاريف القطاع العام الموجهة لخدمة التنمية خسائر اقتصادية، بدعوى أنها لا تدر أرباحا مادية، فدور الوظيفة العمومية هو تحقيق طموحات المواطنين وليس البيع والشراء بمفهومها البسيط، والمغرب مثله مثل باقي الدول النامية، تعاني فئات عريضة من مكونات مجتمعه من الهشاشة وارتفاع الفقر وكذا اتفاع نسبة البطالة في صفوف ساكنته النشيطة ، ومن الأكيد أن العالم قد تغير كثيرا في العشرين السنة الأخيرة، في نمط تدبيره للسياسات الاقتصادية وتغير أكثر خلال 6 سنوات الأخيرة مع اندلاع شرارة الأزمة المالية العالمية سنة 2008، والتي بدأ معها تحول وتغير في مفهوم الدولة “الدركية” كما كان يمجد لها الغرب إلى وقت قريب، إلى بزوغ الدولة “الاجتماعية والتنموية”. ولقد رأينا جميعا بأم أعيننا كيف تصرفت الولايات المتحدية الأمريكية خلال كارثة “كاترينا” منذ 7 سنوات وهي مهد اقتصاد السوق وكيف تصرفت كذلك الدول الغربية خلال الكوارث التي عرفتها خلال السنين الأخيرة، وبالدليل لاحظنا أن دول الشمال تتحمل مسؤوليات كبيرة في تنمية المجتمع وتأهيل الاقتصاد، من خلال توفيرها ضمانات اجتماعية لمواطنيها كالتعليم والصحة والبطالة…، وبالتالي فهي تروج لمنتوج تسوقه فقط خارج مجالها الترابي، بالزام الدول النامية بالتخلي عن دعم مشاريعها الاجتماعية عند استفاذتها من قروض .
إن ما كان ينتظر من الخوصصة لم يحقق منه الا اليسير، فبشهادة البنك الدولي خلقت الخوصصة مثلا في دول أمريكا الجنوبية تدمر كبيرا بسبب تقلص الخدمات العمومية الموجهة للطبقة الفقيرة كالصحة والتعليم والفقر. و في هذا الإطار، فإنه منذ تعيين حكومة التناوب بالمغرب تم التركيز على تنمية ودعم المجال الاجتماعي والذي تم فيه تحقيق تقدما ملموسا، كما أثبتت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نجاعتها وأهميتها بالنسبة لفئات عريضة من المجتمع المغربي، وبالتالي تأكد أن دور الدولة مازال حيويا ومهما شرط أن تكون الادارة العمومية مؤهلة لتقوم بدورها بكل فاعلية في تنمية المجال الاجتماعي ، من خلال برامج تهدف إلى الاستثمار في مجالات الصحة والتعليم والسكن ومحاربة الفقر ومعالجة ملف البطالة والتوظيف الذاتي…. وهذا ما أكدت عليه الأمم المتحدة في أكثر من تقرير لها.
لقد أصبح القطاع العام يواجه تحديات كبيرة وإكراهات متعددة في ظل تعدد الأزمات، وأمام هذا الوضع تتبين أهمية ودور الوظيفة العمومية وضرورة عودة الدولة المتدخلة لمجالاتها وإعادة تأهيل اساليب عملها في صورة متجددة لتحقيق برامج التنمية بمشاركة جميع الفاعلين الأساسيين.