موقف اليوم: الصحابة الكرام: الدهاء والذكاء في غلاف المزاح والطرافة

نتحدث اليوم عن صحابي جليل، يسمى المغيرة بن شعبة، هذا الرجل، ورغم أنه ليست لاسمه تلك الشهرة التي نعرفها لعدد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، إلا أن دهاءه وذكاءه، تبرران البحث لمعرفة المزيد عنه. وأول معطى في ذلك، ما تضمنته الشهادة التالية:

عن عامر قال : “القضاة أربعـة: عمـر وعلـيّ وابـن مسعود وأبو موسـى الأشعري، والدُّهاة أربعـة: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد” قال قبيصة بن جابر: “صحبت المغيرة، فلو أن المدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج المغيرة من أبوابها كلها” وقال الطبري: “كان لا يقع في أمر إلا وجد له مخرجاً، ولا يلتبس عليه أمران إلا أظهر الرأي في أحدهما”. إن هذا الذكاء هو الذي كان وراء اختياره من طرف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليوليه أميرا على الكوفة. ونحن نعرف الدقة والصرامة التي يختار بها عمر ولاته. فقد قال عمر لجماعة من الصحابة :”ما تقولون في تولية ضعيف مسلم، أو قوي فاجر؟” فقال له المغيرة: “المسلم الضعيف إسلامه لك، وضعفه عليك وعلى رعيته، وأمّا القوي الفاجر ففجوره عليه، وقوته لك ولرعيتك” فقال له عمر: “فأنت هو، وأنا باعثُكَ يا مغيرة” فكان المغيرة على الكوفة سنة وثلاثة أشهر، وغَزَا أذربيجان سنة عشرين ، وصالح أهلها.

أما مواقف الذكاء والسرعة البديهة، فهي عديدة في الممارسات اليومية للمغيرة بن شعبة. ولضيق المجال، نقتصر على نموذج واحد. فمن طرائف ما يروى، ما حكاه ابن الجوزي رحمه الله في كتابه (الأذكياء) من أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وفتى من العرب خطبا امرأة، وكان الفتى جميلا، فأرسلت إليهما المرأة، فقالت: ” إنكما قد خطبتماني، ولست أجيب أحدا منكما، دون أن أراه، وأسمع كلامه، فاحضرا إن شئتما “، فحضرا، فأجلستهما بحيث تراهما، وتسمع كلامهما، فلما رأى المغيرة الفتى وحسن هيئته يئس منها وعلم أنها لن تؤثره عليه، فأقبل على الفتى – وقد فكر في مخرج – فقال له: “لقد أوتيت جمالًا وحسنا وبيانا، فهل عندك سوى ذلك”؟ قال: “نعم”، فعدد محاسنه، ثم سكت، فقال له المغيرة: “كيف حسابك؟” (أي ما هو المستوى الذي عندك في الحساب والرياضيات؟) فأجاب الشاب: “ما يسقط علي منه شي، وإني لأستدرك منه أدق من الخرذلة!”، فقال له المغيرة: “لكنني أضع البدرة- والبدرة كيس يكون فيه ألف، أو عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار- في زاوية البيت، فينفقها أهلي على ما يريدون، فما أعلم بنفاذها، حتى يسألوني غيرها” (أي لا أسأل عن متى صرفت وكيف حتى تقول لي الزوجة أنها نفذت)، فقالت المرأة في نفسها: “والله إن هذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إلي من هذا الذي يحصي علي مثل صغير الخردلة “، فتزوجت المغيرة.

الخلاصة أو الحكمة: هذا الصحابي مثال لرجل الإدارة المسؤول، فهو ذكي وماكر، ويعرف إيجاد الحلول لبعض القضايا بوسائل ذكية لكن لا تمس بالغير. وإلى اللقاء في حلقة الغد إنشاء الله.

 ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ