ماذا جرى، خاص

نبهت وزارتا الداخلية والعدل والحريات المواطنين إلى عدم تغيير المنكر باليد على إثر ما عرفته مدينة فاس إثر خروج أحد الشباب المثليين في لباس غير مراع للحشمة والوقار والأداب العامة، فووجه من قبل المواطنين بسخط عارم وصل إلى حد الضرب المبرح، ويندرج خروج الوزارتين من باب التذكير بالمرجعية القانونية في بلد يجب أن يبذل جهودا أكثر من اجل ترسيخ دولة الحق والقانون.

وكعادتها تجتهد “ماذا جرى” لإيجاد مرجع لتوجهات الدولة من الناحية القانونية او السلطوية، وتعرض على قراءها قصد الاستئناس، درسا سبق ان ألقاه الملك الحسن الثاني بتاريخ 25 دجنبر 1966 ضمن سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية،حول الحديث الشريف” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان”.
ولعل أول ملاحظة سينتبه إليها القارئ أن الحسن الثاني في بداية عهده كان يترأس الدروس الحسنية ويتولى أحيانا إلقاءها بحضرة علماء كبار لن يجود الزمن بأمثالهم.
أما الملاحظة الثانية وهي أن هذا الدرس ألقي في زمن يعود إلى خمسين سنة ولت، ومع ذلك فها نحن نستحضره ونستأنس به في قضية تكررت مشاهدها أمام أعيننا هذه الأيام، ولعل تطرق الملك الراحل اليها آنذاك يفيد التوجه نحو تأسيس دولة للحق والقانون.

في بداية الدرس ذكر الملك بمصادر الحديث الشريف وصحتها،وذكر الجدال الذي حصل بينه وبين يوسف القرضاوي الذي لم يوافقه التفسير والرأي.
وقال الملك الذي كان حينها يرتدي جلباب الباحث في أمور الدين والدولة،أنه لم يعتمد كتبا في التأويل أو التفسير، حتى يكون تفسيره مبنيا على اجتهاده ويكون امتحانا له ولأبناء جيله.
وتحدث الملك عن هموم الحكم، و أهمية استنداه على ما يحمي حاضر الدولة ومستقبلها، و ييسر أمرها في ظل احترامها لأصول الدين ومبادئه.
ونبه الملك أن الحديث الشريف :”من رأى منكم منكرا فليغيره بيده…”يتضمن إشارة لفصل السلط :”تفسيري أنا شخصيا بكل تواضع ـ للفظة “بيده”، أنها تعني السلطة التي أتاه الله؛أي الحاكم،بكيفية شرعية … ثم هناك المشرع، فالحكومة والإدارة”.
وتابع الحسن الثاني تفسيره للحديث بمزيد من التوصيف: ” بمعنى إذا كان لك أيها الإمام أو أيها الملك أو أيها الرئيس تلك السلطة التشريعية ورأيت إما ببصرك أو ببصيرتك أو بلسانك بمعنى المخبرين، والحقيقة أن اليوم اللسان و الهاتف أو التليفون والراديو، حيث يمكن للرسائل أن تصل بسرعة.. إذا رأيت هذا المنكر، أو رآه من ينوب عنك وعلمته ولم تغيره، فسوف تكون إذاك مذنبا مجرما بالنسبة إلى الله أولا، وبالنسبة إلى ذلك المجتمع الذي جعلك الله عليه قيما وراعيا ومسؤولا..”.
وخلص الملك ان التغيير باليد لا يسند إلى المواطن، بل على القيمين على الأمور،الذين هم في مفهوم الدولة؛ حاكم البلاد، والوزراء، والعمال، والقواد، والقضاة، والموظفين السامين، والمسؤولين.
وهنا تصبح اليد بالنسبة للملك الراحل وسيلة تتغير حسب الزمن والظروف والإطار الذي يوجد فيه الفرد، أما بمفهوم الدولة الحديث فاليد هي السلطة ورجالاتها، والمخزن والقائمين عليه، والحاكم بأجهزته ووسائله.
وفسر الملك الراحل تغيير المنكر باللسان ان معناه الإخبار، أي إخبار المسؤولين بما شوهد من منكر وقد يكون الاخبار باللسان او بالهاتف او بالكتابة ” اللسان هنا الإخبار أو الكتابة، عليه أن يكتب إلى عامل الإقليم أو إلى والي المدينة أو إلى قاضي القرية، أن يكتب لهم ويمضي كتابه أو يبلغه بواسطة الهاتف وهو لسان المنكر الذي رآه وشهده وشاهده، حيث يمكن للقائمين على الأمر أن يغيروا ذلك المنكر”.
أما التغيير بالقلب كما ورد في الحديث الشريف ففي رأي الحسن الثاني ليس معناه الانزواء والانطواء بل معناه القيام بفعل إيجابي محبب إلى القلب عبر الاقتداء والاحتداء بالعمل الصالح.