ماذا جرى، محمد والضحى باحث في الموارد البشرية

تراجعت فعالية الحركة النقابية بالمغرب خلال السنوات الأخيرة في استقطاب منضوين جدد،بعد النجاحات التي حققتها خلال 50 سنة الماضية، بفعل عوامل متعددة، من اهمها الانقال من العمل النقابي الشامل إلى العمل القطاعي ومن نقابة المطالب إلى نقابة المواقف. وهكذا أصبحت الايام المناسباتية العمالية فرصة للتنافس بين مختلف الهيئات النقابية حول قدرتها على التعبئة بدل المطالب، واقرت جميعها شعارات موسمية وتم تغييب مجال تأطير منخرطيها، ولم نعد نسمع عن صداها إلا خلال لقطات مناسباتية حيث تفتح دكاكينها وتغلقها بهدف الإشهار لا غير. فمن المسلم به، أن العمل النقابي يعرف أزمة تدبير أكثر منها أزمة وجود، وما الانقسامات التي تعرفها هذه الهيئات لخير دليل على عمق هذه الأزمة ، و هي في الأصل مركبة من عدة أزمات . كما عجزت معظم النقابات عن تجاوز إشكالاتها التنظيمية، إضافة إلى أنها تعاني من أزمة ولاء حطيرة جدا، فجل زعاماتها لا تفرق بين العمل السياسي والعمل النقابي.
ان أهم ما يميز العمل النقابي حاليا هو قلة الانخراط لديها كنتيجة لتمييع العمل النقابي من طرف بعض النقابيين أنفسهم، وكذا انتقال عدوى الانتظار والامراض المزمنة من الأحزاب إلى النقابات بتكريس غياب ديمقراطية داخلية، وهو ما أدى إلى هيمنة الثقافة الانشطارية لدى نخبتنا النقابية كما هو سائد بالاحزاب، وللأسف فهي ليست مبنية على أهداف وبرامج بقدرما هي مرتبطة بصراع الزعامات والمواقع، حيث أن الزعيم هو زعيم لمدى الحياة لا يزاح عن ابراجه النقابية إلا من خلال ديمقراطية الموت أو ثقافة الانشقاق أو إجراءات انقلابية، وحتى أعضاء المكاتب النقابية القطاعية أصبحوا يتقاسمون مع زعماءهم، سياسة “الخلود” بالرغم من تبنيهم جميعا في خطبهم الديمقراطية والحداثة و…..، وما الطريقة التي تمر منها الانتخابات الداخلية والتي يتم ختمها في بعض الأحيان بالهراوات والسلاسل، لخير دليل على أننا أمام ميلشيات نقابية ليس إلا.
كما ان الفاعل السياسي هيمن على جميع مقومات الحياة النقابية، كرها أو طوعا، بجعل نفسه محور القرار واعتبار النقابة دراعه المسلح، ويتجلى ذلك في عدة مظاهر، منها أن العديد من مقرات الأحزاب هي نفسها مقرات نقابية، ليصير مبدأ الاستقلال كما هو منصوص عليه بالقوانين الداخلية للنقابات مجرد وهم لواقع مر. ويزداد الأمر حدة مع عولمة الاقتصاد العالمي وتغيير نمط الإنتاج مما اثر على لمعان بريق العمل النقابي ، حيث لم تستطع النقابات مواكبة هذه التغييرات ولم تطور خطابها أو إيجاد صيغ جديدة للحوار، إضافة إلى غياب آليات لديها للاستقطاب وعدم التواصل مع محيطها بسبب تبينها لأفكار تآكلت. كما أن هذا المشهد النقابي بهذا الشكل لم يعد يساهم في صنع نخب جديدة داخل نفس الهيئة إلا عن طريق سياسة الانشطار، وهو ما ساهم في اندثار النضال المشترك لنفس النقابة، بعكس ما كان سائدا في الستينات والسبعينات ، وهو ما يؤرخ لبداية عهد التفكك النقابي واندثار التضامن والاتجاه نحو الوحدانية.
إن هيمنة نواميس العولمة خلق وضعا جديدا وجعل بعض النقابات في أزمة حادة مع دواتها، عكس النقابة في الدول المتقدمة التي سلكت نهجا جديدا في تدبير آلياتها وأصبحت بمثابة مراكز للدراسات والأبحاث تجتهد في العمل النقابي من خلال إقرار شراكات واعتماد التكوين المستمر وإرساء مبادرات ذات صبغة اجتماعية واقتصادية وتنظيم ندوات لتأهيل أعضائها ومنخرطيها، وتبني إستراتيجيات تعتمد على قواعد اجتماعية حديثة مرتبطة بتطور المؤسسات المشغلة التي تركز في وجودها على المردودية والجودة للحفاظ على استمراريتها. فزمن النقابة الاجتماعية قد ولى وحل محله زمن النقابة التي تعمل على استقطاب كفاءات بدل المناضلين لمواجهة التغييرات العميقة وخلق تحالفات لتحقيق مصلحة الموظفين والعمال على أساس القيام بإصلاحات متفاوض بشأنها. وهذا يتطلب اعتماد آليات جديدة في المفاوضات يتم اكتسابها عن طريق التكوين وبذلك تؤهل نفسها للانتقال إلى نقابة المستقبل بالارتكازعلى مقاربة تشاركية.