موقف اليوم: الصحابة الكرام: الجمع بين قوة الإيمان، وجدية المواقف..وخفة الروح ـ الحلقة 3ـ .

حديثنا اليوم عن عبد الله بن رَوَاحَة، الصحابي الشاعر المشهور؛ الذي سخر موهبته الشعرية في نشر الإسلام والدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم من هجاء الشعراء الكفار. وإذن، فقد كانت حياته شعرا وجهادا واجتهادا. فقد جاهد مع النبي في بدر وأُحد، وحفر الخندق مع الصحابة، وبايع بيعة الرضوان، وكان أحد القُوَّاد الثلاثة الذين عهدت إليهم قيادة المسلمين وحمل رايتهم في غزوة مؤتة التي استشهد فيها. أما في مجال العبادات، فتكفي الشهادتان التاليتان في حقه:  يقول أبو الدرداء: “خرجنا مع رسول الله في بعض غزواته في حر شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه أو كفه على رأسه من شدة الحر، ما فينا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة “. وتزوج رجل امرأة عبد الله بن رواحة بعد استشهاده، فسألها عن صنيعه، فقالت: “كان إذا أراد أن يخرج من بيته صلى ركعتين، وإذا دخل بيته صلى ركعتين، لا يدع ذلك”.

إن رجلا بهذا المستوى العالي من الجدية والتضحية والتعبد، لاشك أن المزاح والملاطفة لن يجدا مكانا في حياته. لكن الأمر مخالف لذلك تماما. والواقعة التالية تؤكد ذلك بكل جلاء. فقد كانت لَهُ جَارِيَة، فاتهمته امرأَته أَن يكون أَصَابَهَا فَقَالَت: إِنك الآن جُنُبٌ مِنْهَا، فَأنْكر ذَلِك فَقَالَت: فإِن كنت صَادِقا فاقرأ الْقُرْآن وَقد عهدتَه لَا يقرأُ الْقُرْآن وَهُوَ جُنُبٌ فَقَالَ: شهِدت بأَن دين الله حقٌ … وأَن النَّار مثوى الكافرينا وأَن العرشَ فَوق المآء طافٍ … وَفَوق الْعَرْش ربُّ العالمينا وتحمله ثَمَانِيَة شِدادٌ … مَلَائِكَة الإِله مسوَّمينا وَرُوِيَ هَذَا الاثر على وَجه آخر وَهُوَ أَن عبد الله بن رَوَاحَة كَانَ مُضْطَجعا إِلَى جنب امْرَأَته فَلم تَجدهُ فِي مضجعه، فَقَامَتْ فَخرجت فرأَته على جَارِيَته، فَرَجَعت إِلَى الْبَيْت فَأخذت الشَّفرة ثمَّ خرجت وَفرغ فَقَامَ فلقيها تحمل الشَّفرة فَقَالَ: مَهيَم قَالَت: لَو أَدركُتك حَيْثُ رأَيُتك لَوَجَأت بَين كتفيك بِهَذِهِ اُلشفرة قَالَ: وأَين رأَيتِني؟ قَالَت: راَيتك عَلَى الْجَارِيَة قَالَ: مَا رَأَيْتنِي وَقد نَهَانَا إِلَى رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم أَن يقرأَ أَحدُنا الْقُرْآن وَهُوَ جُنُبٌ قَالَت: فاقرأ فَقَالَ: أَتانا رَسُول الله يَتْلُو كتابَه … كَمَا لَاحَ مشهورٌ من الْفجْر ساطُع أَتى بِالْهدى بعد الْعَمى فقلوبُنا … بِهِ موُقِنَاتٌ أَن مَا قَالَ وَاقع يبيت يُجَافِي جنبه عَن فرَاشه … إِذا استَثَقلَت بالمشركين الْمضَاجِع فَقَالَت: آمَنت بِاللَّه وكذّبت بَصرِي، ثمَّ غَدا عَلَى إِلَى رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم فأَخبره فَضَحِك حَتَّى بَدَت نواجذُه.

الخلاصة أو الحكمة: أكيد أنه ما من أحد منا كان سيجرأ على التلاعب بكلمات من جنس الخيال ويقدمها لزوجته على أنها قرآن ليتملص من تهمة مواقعة الجارية، وأكيد أيضا أننا كنا سنتوقع أن يغضب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وينكر فعلة عبد الله بن رواحة. لكن شيئا من ذلك لم يحدث بل ضحك النبي الكريم حتى ظهرت أضراسه. وهذه هي حكمة اليوم. فهل من أحد يخبر بذلك كل أؤلئك المتشددين في دين الله، الذين لايرون في الإسلام إلا الصلاة وتعنيف الناس وحتى قتلهم؟ !! . إنها، وكما قلت بالأمس كوكبة من الرجال، لا وجود لمثل شخصياتهم في زمننا الأغبر هذا. وأعيد القول بأنه حري بنا أن نستفيد من سيرتهم وأن نقتبس من مواقفهم ما نؤطر ونؤثث به تصرفاتنا في الحياة اليومية. وإلى اللقاء في حلقة الغد إنشاء الله.

 ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ