بقلم: عبد العزيز الرماني

لا أظن أن أحدا سيختلف معي حين سأعطي استنتاجا، وإن كان ذاتيا، مفاده أن الدول العربية والإسلامية أصبحت مسخرة في العالم أجمع.
قد يناقشني أحدهم فيقول أن العرب والعالم الإسلامي كانوا محطة للسخرية فيما مضى، وظلوا كذلك حتى اليوم، وسيبقون في العهود القادمة، فما الجديد إذن؟.
وسيواجهني آخر بالقول بأن إسرائيل وأمريكا وضعت العرب والمسلمين فوق برميل مشحون بالنيران، وطلبت منهم ان يقفوا على أرجل حافية؟..لكننا لن نختلف بأن العرب والمسلمين يعيشون حاليا أسوأ عهودهم .
لقد توقف التاريخ عن تسجيل أمجادنا منذ زمن طويل، ولكنه يرفض اليوم أن يسجل عيوبنا الخلقية والأخلاقية، وكأننا غير موجودين على هذه الكرة، أوليس من حقنا صناعة التاريخ؟…
وما كُتُبُ التاريخ في كل ما روت
لِقُرَّائِهَا إِلاَّ حَدِيثٌ مُلَفَّقُ
نَظَرْنَا لأَمْرِ الحَاضِرِينَ فَرَابَنَا
فَكَيْفَ بِأَمْرِ الغَابِرِينَ نُصَدِّقُ

لقد علمونا أن العرب كانوا كراما، وأن الإسلام جاء ليتمم مكارمهم، ويصلح أمورهم؟ وعلمونا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستحي من بعض الصحابة والمقربين منه حين يرتكب احدهم زلة من الزلل؟ فهل صحيح هذا التاريخ، أم أن تاريخنا هو الزلة الكبرى؟.
لم يقطع الرسول رأسا، ولم يغرق شخصا حتى الوفاة، ولم يحرق إنسانا أمام الملأ، ولم يلق بأحدهم من فوق سبع طوابق، لزلة كانت، أو عثرة كانت، أو خلاف او اختلاف…
هذا ما تعلمناه والله أعلم؟
أليس الرسول هو نفسه من قال لأسراه: “أذهبوا فأنتم الطلقاء”؟، أو ليس هو نفسه من قال في ابنة حاتم الطائي نفاسة، وهي أسيرة أمامه :”خلوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق”.
ذكر ابنُ الأثير في “أُسد الغابة” أن الصحابي “نعيمان بن عمر” كان يشرب الخمر في زمن رسول الله (ص) ، فيضربه النبي بنعله، ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم ويحثون عليه التراب، فلمَّا كثر ذلك منه قال له رجل من الصحابة: “لعنك الله يا ابن عمر” ! فقال له النبي: “لا تفعل؛ فإنه يحب الله ورسوله”.
ما ذا لو افترضنا أن الصحابي الوليد بن عقبة عاش في زمننا هذا، أوسلمناه لحركة داعش كي تقول كلمتها فيه؟ ما ذا سيكون مصيره، وهو الذي عاش عمرا طويلا إلى أن عاصر معاوية، ومات حتف أنفه، بعد أن حكم الكوفة قبل مجيء سعيد بن العاص،وعاش زمنا في الرقة حيث الفوضى اليوم في سوريا، ودفن بالبليخ.
لقد قال الحطيئة في هذا الصحابي:

تكلم في الصلاة و زاد فيها
علانية و أعلن بالنفاق
و مج الخمر في سنن المصلي
و نادى و الجميع إلى افتراق
أزيدكم على أن تحمدوني
فما لكم و ما لي من خلاق
والحكاية انه صلى بالناس وهو سكران، وانه زاد في صلاة الصبح إلى أربع ركعات، وأنه تقيأ على المحراب حتى عمت رائحة الخمر كل المسجد، وأنه قال للمصلين بعد أن أمهم في الصلاة:هل اكتفيتم من الركعات أم أزيدكم؟ وقال شعرا في الخمر وهو بالمسجد:
علق القلب الربابا
بعد ما شابت وشابا
لقد ضربه الرسول الكريم بنعله، وعثمان بن عفان عف عن ضربه، وعلي بن طالب جلده، ولكن أحدا لم يقطع رأسه أو يحرق جسده.
إن هذه القصص ليست تحريضا او تقويضا على التشبه بالخاطئين او التائهين او الفاسقين، ولكنها حجج من التاريخ تدحض الغلو والعنف والإرهاب والتطرف،، حجج تفرض علينا عدم الانجراف وراء الجهل ألأعمى الذي لا يرحم احدا.
وإلى الجزء القادم