موقف اليوم: الصحابة الكرام: الجمع بين قوة الإيمان، وجدية المواقف..وخفة الروح ـ الحلقة 2ـ .

قبل استعراض موقف هذه الحلقة، يجدر بنا أن نعرج قليلا على شخصية صاحب الموقف. إنه الصحابي الجليل أسيد بن خضير. من زعماء قبيلة الأوس التي كانت مع قبيلة الخزرج، تهيمن على يثرب (المدينة المنورة قبل البعثة النبوية). وكان لكيفية إسلامه واقعة تنم عن رجاحة كبيرة للعقل. فقد أرسل النبي الكريم صاحبه مصعب بن عمير لدعوة الناس في يثرب إلى الإسلام. وحين نما الخبر إلى أسيد بن خضير، قرر إيقاف هذا العمل، فذهب إلى حيث كان مصعب يحادث الناس، فأشهر في وجهه رمحه، وأمره بالكف عن ذلك والرحيل إلى بلاده. لكن مصعب المتفطن لرجاحة عقل الرجل، طلب منه فقط أن يستمع؛ فإن أعجبه الأمر كان به، وإن لم يعجبه فسيتوقف ويرحل في الحال. فكان أن استمع إلى أقوال مصعب يَذْكُرُ له حقيقةَ الإسلامِ، ويقرأ عليه شيئاً من آياتِ القرَان. وقد أسلم مباشرة بعدها وفرض نفسه كرجل له قيمته الكبيرة في ما سيأتي فيما بعد من أحداث. ومن نماذج قيمة الرجل أن طريقته في تلاوة آيات القرآن الكريم جعلت كوكبة من الملائكة تحضر مستمعة.

ففي جوفِ ليلةٍ من الليالي كان أسَيْدُ بنُ الحُضَيْرِ جالِساً في مِرْبَدِهِ، وابنُه يحيى نائمٌ إلى جانِبه، وفرسُه التي أعَدَّها للجهادِ في سبيل اللّه مُرْتَبَطَة غَيْرَ بَعِيدٍ عنه. فتـاقَتْ نفسُ أسَيْدِ بنِ الحُضَيْرِ لأنْ يُعَطِّرَ هذه الأجْوَاءَ النَّدِيَّةَ بِطُيُوب القرَآنِ، فانْطَلَقَ يَتْلُو بِصوْتِهِ الرَّخيم الحنونِ: “بسم الله الرحمان الرحيم..الم. ذلِكَ الْكِتَـابُ لاَ رَيْب فِيهِ هُدًى لِلمُتَّقينَ. الَّذِينَ يؤمِنُونَ بالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يؤمِنُونَ بِما أنْزِلَ إِلَيْك ومَا أنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ”. فإذا به يَسْمَعُ فرسَـهُ وقَدْ جَالَتْ جَوْلَةً كادَت تَقْطَع بِسَبَبِها رِبَاطِهَا، فَسَكَتَ، فَسكَنَتِ الفرَسُ وقَرَّتْ. فعاد يَقْرَأ: “أولئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ”. فجالَتِ الفرَسُ جَوْلَةً أشَدَّ مِنْ تِلْكَ وَأقْوَى. فسكت.. فهدأت. وَكَرَّرَ ذلِكَ مِراراً، فكان إذا قرأ أجفَلَتِ الفرسُ وهاجَتْ، وإذا سَكَتَ سَكَنَتْ وَقَرَّتْ. فخافَ على ابْنِه يحيى أن تَطَأه، فَمَضَى إليه لِيُوقِظَهُ، وهنا حانَتْ منه الْتِفَاتَةٌ الى السماء، فَرَأى غَمَامَةً كالْمظَلَّةِ لَمْ تَرَ الْعَيْنُ أرْوَعَ ولا أبهَى منها قَطّ وقد عُلِّقَ بها أمْثَالُ المصابيحِ، فملأتِ الأفاقَ ضِياءً وسناءً، وهى تَصْعَدُ إلى الأعلى حَتَّى غابَتْ عَنْ ناظِرَيْهِ. فلمَّا أصبَحَ مَضَى إلى رسولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، وقَصَّ عليه خَبَرَ ما رأى، فقال لـه النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ. “تِلْكَ الملائكةُ كانتْ تَسْتَمِعُ لَكَ يا أسَيْدُ.. ولَوْ أنكَ مَضَيْتَ في قِراءَتِك لرآها الناسُ ولم تَسْتَترْ منهم”.

هذا هو أسيد بن حضير: القوة والمكانة الاجتماعية والتمكن من الدين. لكن الجانب الآخر من شخصيته، يدعو إلى التأمل. ففي علاقاته وتصرفاته كَانَ رجلا ضحاكا مليحا. وهذا هو موقف اليوم، فَبينما هُوَ عِنْد رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم يحدث الْقَوْم ويضحكهم، طعنه رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم بِأُصْبُعِهِ فِي خاصرته فَقَالَ: أَوجعتني قَالَ: اقتَصَّ قَالَ: يَا رَسُول الله إِنَّ عَلَيْك قَمِيصًا وَلم يكن عليَّ قَمِيص، فَرفع رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم قَمِيصه فَاحْتَضَنَهُ ثمَّ جعل يقبّل كَشحَه فَقَالَ: بأَبي وأُمي يَا رَسُول الله أَردت هَذَا.

ولما رأى رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم متغير الْوَجْه ومنحرفا أَو مغضبا قال: لأضحكنه!! ثمَّ قَالَ: يَا رَسُول الله إِن الدَّجال يَأْتِي النَّاس فِي حَال قَحطٍ وضيقٍ وَمَعَهُ جبالٌ من ثَريد أَفرأَيتَ إِن أَدركتُ زَمَانه أَن أَضرب عَلَى ثريده حَتَّى إِذا تبطّنت مِنْهُ (أي ملأت بطني من طعامه) آمَنت بِاللَّه وكفرت بِهِ أَم أَتنزَّه عَن طَعَامه؟ فَضَحِك رَسُول الله صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم – وَكَانَ ضحكه التبسم – وَقَالَ: بَل يُغنِيكَ الله تَعَالى يَومَئِذٍ بِمَا يُغنِي المُؤمِنيِنَ.

الخلاصة أو الحكمة: هذه الكوكبة من الرجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم، لا وجود لمثل شخصياتهم التي تجمع بين الجدية والقوة والتضحية وخفة الروح والبساطة والوداعة. حري بنا إذن أن نستفيد من سيرتهم وأن نقتبس من مواقفهم ما نؤطر ونؤثث به تصرفاتنا في الحياة اليومية. وإلى اللقاء في حلقة الغد إنشاء الله.

 ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ