ماذا جرى، محمد والضحى باحث في الموارد البشرية

يعد التخليق مدخلا أساسيا لكل إصلاح حقيقي ومرتكزا محوريا لكل المبادرات الإصلاحية الهادفة إلى المصالحة بين التحديث العام والإدارة، وبين التخليق وأخلاق الحداثة، من خلال ضبط وتحديد مجموع القواعد والمبادئ التي تؤطر مجال تدبير الشأن العام. ولاشك أن إرساء مقاربة إصلاحية شاملة داخل الإدارة المغربية، لا يمكن أن تكون فاعلة ونافدة خارج ملامسة مباشرة وواقعية لحجم مظاهر الاختلالات في مجال تخليق الحياة العامة والعوامل المتحكمة فيها وأسباب حدوثها فضلا عن تداعياتها الوخيمة على جميع المستويات.وبالرغم من تعدد المتدخلين فان العنصر الأساسي في تفعيل آليات تنفيذ مثل هذا الإصلاح، تظل مجسدة في نخب الوظيفة العمومية السامية الممثلة في عدة فئات منها الوزراء والكتاب العامون واعضاء الدواوين الوزارية والمديرون المركزيون والمفتشون العامون ورؤساء الجماعات المحلية ومديرو المؤسسات العمومية و…والتي تتشكل في غالبيتها من نخب سياسية تنحدر من الأحزاب التي تتبنى التخليق في برامجها الانتخابية.إن ما يميز المغرب الحديث هو الشعور الجماعي بأهمية وأولوية معالجة إشكالية تخليق الحياة العامة أمام ارتفاع درجة الفساد في العديد من المرافق العمومية، ذلك أن مجمل مشاكلنا تعود إلى مشكلات سلوكية وأخلاقية محضة. وإذا كان الكل متفق على وجود اختلال سلوكي داخل الإدارة العمومية، فإنه من الثابت وجود مجال من التصرفات التي يمكن من خلالها بناء ” إدارة مواطنة”، بغض النظر عن الخطاب السياسي الإصلاحي المهيمن منذ 60 سنة خلت ومدى الالتزام به من طرف نخب تتقلد مناصب القيادة والادارة ولاسيما السياسيين منهم.

إن من بين أسباب الاختلالات الحالية انضمام العديد من الأشخاص إلى الوظائف العامة، وهم غير مؤهلين وظيفيا وسياسيا وسلوكيا للتواصل مع الأطراف الأخرى وغير مشبعين بالولاء للوظيفة التي يقومون بها، في ظل غياب خبرة وتجربة في الإدارة تؤهلهم لممارسة مهامهم بكل كفاءة وجدارة.كما أن سلوك نخب الوظيفة العمومية السامية اتجاه سلوك الإدارة بمعايير إدارة ناجحة وجيدة يتفاعل مع سلوك الحزب السياسي الذي ينتمون إليه وأي إخلال ينعكس سواء بالسلب أو الإيجاب على سمعة الهيئة التي ينتمون إليها.ولترسيخ مبادئ الأخلاقيات في حياتنا العامة، فان الوقت الراهن يتطلب اعتماد آليات تحدد أولا القيم الأخلاقية التي ينبغي أن تسود والقواعد السلوكية التي توضح مسؤوليات وواجبات السياسي والإداري والإدارة نفسها إزاء محيطها للحيلولة دون تفشي سلوكات مشينة في القطاع العام. فالكل يدرك إدراك اليقين أن جميع مجهودات التنمية لا يمكن أن تسلك طريق النجاح ولا أن تؤتي ثمارها إذا ما اقتصرت جهودنا على مجرد إصدار وتعديل النصوص القانونية و تبسيط المساطر والدعوات الخطابية بضرورة الالتزام بمبادئ الأخلاق، بل إننا بحاجـة إلى القدوة الحسنة من قيادتنا الإدارية ، ذلك أن ممارسات نخب الوظيفة العمومية السامية ولا سيما السياسية منها يعطي من خلال سلوكها حسن العبرة والمثل الذي ينبغي أن يقتدى بهما. ولا مجال هنا للتذكير بالممارسات والأعراف الديمقراطية للحديث عن المهام الموكولة للسياسيين للمساهمة في إنجاح سياسة الإصلاح، لكن المهم في ذلك هو تبني ثقافة سلوكيات متخلقة ومتوافق عليها يلتزم بها الجميع قصد تفادي كل خلل من شأنه المس بالمقومات الرئيسية للمبادئ والقواعد الإدارية السائدة، ذلك أن الممارسة تظل دائما هي صاحبة التأثير. وهذا مايستدعي تمكين السياسيين من المساهمة في تدبـير الشأن العام من خلال تمكين الأحزاب من بسط تصوراتها الإصلاحـية على أرض الواقع ودعمها بنخب سياسية متخلقة أساسه تكريس ممارسة ديمقراطية، فان الإدارة ويجب أن تكون في خدمة المواطن بغض النظر عن جنسه وعرقه ودينه. مع التأكيد على أنه ينبغي علينا جميعا سواء سياسيين أو إداريين أو مواطنين المساهمة في ترسيخ مبدأ تخليق الحياة العامة في سلوكنا والتزام بقواعد الأخلاق نظريا وتطبيقيا من منطلق أن ذلك مطلبا ذاتيا في الوقت الراهن قبل أن يصبح أمرا واستجابة لتوصيات خارجية قد تفرض علينا من مؤسسات دولية.