ما الذي يجعل شابا في مقتبل العمر، ممتلئا صحة وحيوية، وفي بلد يجد فيه الطريق سالكة إلى كل الممارسات؛ الإيجابية والسلبية، وسواء نال قسطه من التعليم أم لم يكن، ما الذي يجعله يلقي بنفسه بين أحضان الجريمة الجنائية، أو التطرف الأعمى الذي يؤدي إلى أفعال خطيرة ماسة بالمواطنين الأبرياء مهددة لمصالحهم ولحياتهم؟! ومؤثرة على استقرار البلد؟

إن المتأمل للواقع المؤلم لشبابنا يجد نفسه حائرا أكثر من حيرة الشباب ضحية هذه التوجهات. لنتصور ما يدور في عقلية شاب أنهى مراحل تعليمه بحيازة شهادات محترمة، يفتح عينيه في الصباح فيجد يومه لا يتميز عن باقي الأيام. “لاشغل ولا مشغلة” على تعبير الإخوة في مصر.. ولا برنامج لتطوير ذاته وكسب معيش يومه. ثم يمر اليوم .. يليه يوم آخر وهكذا دواليك. ثم وهو يتجول في مدينته يتصادف بأشخاص تبدو عليهم آثار النعمة المبالغ فيها. وهنا يطرح على نفسه السؤال المـر: لماذا أعيش أنا بالذات هذه الوضعية؟! وقد يحدث أن يرغب في نسيان عالمه البئيس، فيطرق باب المخدرات، وهي التي تؤدي حتما إلى السرقة ثم الضرب ثم الجرح فالقتل في بعض الأحيان. ولكون وضعيته الضعيفة أقرب إلى جعله فريسة سهلة، فقد يلتقطه أحد شخصين: متاجر في المخدرات أو متطرف ديني. وفي كلتا الحالتين يصبح خطيرا على بلاده ومواطنيه. وعندما يسأله أحد يجد الجواب بسرعة: لايمكنني العيش بائسا وبلادنا كلها خيرات! ثم يطرح عليك سؤاله اللئيم والماكر: لماذا تستفرد القلة لوحدها بثروات البلاد بما يمكنها أن تعيش 600 سنة في مستوى قارون، وأنا لا أجد ثمن أكلة بسيطة ودواء ومصرف استحمام؟ ويوضح: إن الأمور لم تعد خفية على الشعب، اذهب الى مواقع الانترنيت، سترى العجب.. أشخاص محدودون يتقاضون ما يجعلهم فوق السحاب، وعامة تغرق تحت التراب..وفي الأخير يحدثونك عن قلة الإمكانيات وضعف الموارد!!

إن ما سبق ليس مجرد سيناريو لعمل فني، ولا هو من قصص ألف ليلة وليلة، بل هو للأسف الواقع المر الذي تتخبط فيه بلادنا، والنقطة- المشكلة التي تتفرع عنها باقي المشاكل. إنها مسألة توزيع الثروات في بلادنا. فعندما تستعرض بعض الأرقام فلا يمكنك إلا أن تندهش وتستغرب. ذلك أن جماعة من المديرين العامين للعديد من المؤسسات العمومية والشبه عمومية يتقاضون أجورا تفوق بكثير ما يتقضاه مثلا رؤساء الكثير من الدول الديمقراطية، هذا دون نسيان باقي المسؤولين في مناصب الدولة. كما لايجب إغفال الموارد الخيالية لعدد من المسؤولين المستفيدين من عائدات استغلال رخص الصيد البحري والفلاحة والمعادن وغيرها.

وإذا رجعنا لمسألة توزيع النفقات، فذلك بركان آخر، كيف لبلد له نسبة كبيرة من المواطنين تحت عتبة الفقر، ونسبة أخرى ليس بإمكانها ولوج التطبيب (لتدهور مستوى خدمات الدولة، وغلاء القطاع الخاص)، أن تنفق مصاريف كبيرة في ميزانيتها الضعيفة أصلا في أمور غير ذات أولوية؟!

هنا إذن مكمن الخلل؛ الظلم الاجتماعي، والتوزيع الظالم للثروات، والتبذير في الإمكانيات.

إن المغرب، المحافظ عل استقراره سطحا، وفي محيط غير مستقر وعدواني، لابد له أن يراجع أوراقه في هذه الأمور. وإذا ما تم ذلك، فإننا سنحول ما أسميته بـ”الاستقرار السطحي” إلى استقرار جذري. فحينما يشعر الجميع أنه مكتمل المواطنة بأدائه للواجبات مقابل تنعمه بالامتيازات، آنذاك سيتم إغلاق منافذ الجريمة والتطرف تلقائيا، خصوصا وأن لدينا في المغرب الممارسة الوسطية للإسلام، وأننا نتوحد في نهج السنة والجماعة. وأخيرا فإن “القط لايهرب من دار العرس” كما يقول المثل المغربي المأثور.

ـــــــــــــــــــــــــ ابراهيم الوردي ـــــــــــــــ